تخطى الى المحتوى

محن مكتبات المخطوطات في مدينة شنقيط

إسلم بن السبتي

جدول المحتويات

من المعلوم عند خبراء المخطوطات أنها تتعرض لجملة من المحن أثناء جمعها وعند محاولة حفظها، وقد نثروا ذلك شعرا حيث قال أحدهم:

عليك بالحفظ دون الجمع في كتب *** لأن الحفظ يا أخا العرفان يحرسها

وخذ مكانا يحفظها لك أبــــــــــــــــــــــــــــــــــدا *** فإن للكتب آفات تفرقهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

فالماء يغرقها والنار تحرقهـــــــــــــــــــــــــــــــا    والحساد تفسدها والأعداء تعدمهـــــا

فالبارُّ يحفظها والفاجر يتلفهــــــــــــــــــــــــا    والفأر يخرقها واللص يسرقهـــــــــــــــــــــــا

 

وهذه الآفات هي التي درج العلماء في طلبهم لأهل المخطوطات أن يحذروا منها، فلا تخلو مكتبة من واحد منها، وهيهات فإن مكتبات مدينة شنقيط لها آفات لم تذكرها الأبيات، ونحن بإذن الله نذكرها مفصلة، فنقول: إن من عايش تلك المكتبات يلاحظ أنها أول ما تشكو منه هو نقص الحفظ، فهي تحفظ في أماكن من الدور الخربة، وسرعان ما تسقط على الكتب فتتركها غير صالحة للمطالعة وخاصة إذا كانت الدور قد سقطت بفعل نزول الأمطار، وعليه فإنه لا بد من حفظ المكتبة في مكان قوي البنيان، ضمن دوالب تقيها من شر سقوط الحجارة والأتربة.

 

ومن الآفات الملاحظة كثرة الغبار الذي ينزل على المخطوطات بفعل الطقس الجاف الذي تتميز به المدينة، فالغبار يفسد المخطوطة ويجعلها غير صالحة للمطالعة، بل ويؤدي في بعض الأحيان إلى جفافها مما يؤول بها إلى الضعف والتكسر أثناء الاستعمال.

 

ومنها أيضا الإهمال للدور التي كانت تحفظ فيها المخطوطات مما أدى إلى سقوط أسقفها وخرابها، فتركت للحيوانات تعيث فيها خرابا، وتقتات على ورقها الثمين، وبذلك ضاعت كنوز ثمينة وامحت مكتبات كانت عامرة في زمانها، وأمثلة ذلك كثيرة، فقد لاحظت ذلك في مكتبة أسرة أهل الحسن التي كانت تزود مكتبات المدينة بالمخطوطات النفيسة من خلال خطوط علمائها ونسخهم لها، فلم يماثلهم في ذلك أحد من أهل المدينة، إلا أن ذلك كله ضاع ولا نكاد نجد منه إلا القليل، ولولا أن ما نسخوه تفرق معظمه في المكتبات لما عثرنا على أي شيء يذكر، ومثلها مكتبة القاضي محمد بن عبد الله بن الطالب التي ضاعت ولم يبق منها إلا القليل النادر بعدما أظهرت بعض النقول التي وقفت عليها أنها كانت مكتبة غنية بالمخطوطات، وننقل هنا كلام القاضي عن أحد أجزاء كتبه التي وقفت عليها في مكتبة غير مكتبته، حيث يقول: "هذا الكتاب وجزؤه الثاني وقف على عقبي، والقارئ أولى من غيره، ولا يمنع من متعلم أراد الانتفاع بشرط الحفظ والصيانة، وإلا بأن كان من غير أهل ذلك، فلا يعطى له، لأن إضاعة الكتب غير جائزة. وبه كتب مقرا على نفسه ومشهدا من سيقف عليه، وطالبا من الناظر الدعاء بإصلاح الحالتين. محمد بن عبد الله بن الطالب، كان الله له وليا ونصيرا آمين".        

 

ومن ذلك أيضا هجرة الأسر العالمة من المدينة حيث تركت مكتباتها في أماكن لا تساعد على حفظها، أو عند أناس ضعفاء لا يقدرون على التعامل معها، وبذلك فسدت وسقطت عليها المنازل، وأكلتها الحيوانات، وبددتها الأيادي الجاهلة، فضاع بذلك ما ضاع وبقي النزر القليل. وآية ذلك مكتبة القاضي محمد عبد الله بن فال رحمه الله التي تردى حالها بعد رحيل الأهل عن المدينة، فأدى بها ذلك إلى أن عاشت فترة من الضياع إلى أن قيض الله لها أحد أبناء الأسرة فرحل بها عن المدينة حتى أصلح من شأنها، ثم أعادها إلى وكرها واستقر بها النوى عند من حفظها وأعاد لها حياتها بعد أن أشرفت على الهلاك.

 

وآفة أخرى استشرت في المخطوط بسبب حالة الدور، ألا وهي "الأرضة" التي تكثر في المدينة وتسكن في حيطانها وتربتها ويزيدها انتشارا عدم تهوية المنازل القديمة التي كانت تحفظ فيها المكتبات، فتنتشر الظُّلمة ويكون ذلك سببا لتكاثر الأرضة، فتدخل في المخطوطة وتقرضها، وقد أتت على مخزون كبير من تراث المدينة، وما زالت نماذجها ماثلة للأعين فيما انتشل من ذلك التراث الضائع، فلا تخلو مكتبة من مجموعة كتب قد نفشت فيها الأرضة وجعلتها حصيدا كأن لم تغن بالأمس.

 

ولعل آفة الحرائق تعد نادرة في المدينة القديمة التي معظم المكتبات كانت تحفظ داخلها، إلا أن بعض الأشخاص قد كانوا يحفظون الكتب في أعرشة حيث كانوا يسكنونها، وفي حال شبت النيران فإن المخطوط يصير حطبا جزلا، وقد شبت بعض الحرائق فأودت بمجموعات من تلك المخطوطات التي كانت محفوظة بداخلها، ولعل جزءا من مكتبة أهل عبد بن الطالب قد كان مثالا لما سردناه، وضاع فيه بعضها مما كان عند أحد أفراد أسرتهم المشهود له بالمطالعة ومراجعة الكتب.

 

وقد لوحظ عامل آخر لم يكن معلوما عند أهل المدينة، وهو سرقة وبيع المخطوط للأجنبي أو من جاء يطلبه أيا كان، وذلك لجهل أهل المدينة بالقيمة الفعلية للمخطوط، ولولا النهضة الفكرية التي جاءت متأخرة لأدى ذلك إلى انقراض كل ما ملكته المدينة في عصورها المضيئة وما جلبته من كنوز لا تقدر بثمن.

 

ولا بد من أن نشير إلى أن هذه الآفة أودت بمخطوطات نادرة من مكتبات المدينة مثل سرقة مصحف شريف كتب على رق الغزال، سرق من مكتبة أهل أحمد محمود، كما سرق نص ابن سينا في الطب من مكتبة أهل حبت، ولم تسلم مكتبة أهل حامن من السرقة حيث سرقت منها كتب متعددة.

 

لقد استوعبت الأسر المالكة لهذه الخزائن خطورة هذه الآفة، فحصنت مكتباتها بالمراقبة الدائمة في محاولة للإبقاء عليها، فتحسنت ظروفها الأمنية وأمنت من بعض تلك الشرور الواقعة لا محال إن لم تدم تلك المراقبة والمحافظة، فإن لصوص المخطوطات لا يسلم منهم إلا من رحم ربك، وذلك لأهميتها وثمنها الكبير عند من يتقصد تلك الكنوز الفريدة.

الأحدث