جدول المحتويات
يشهد القطاع الصحي في موريتانيا تطورا ملحوظا، لكنه لا يزال يواجه تحديات تنظيمية وهيكلية كبيرة. ولضمان جودة الرعاية الصحية والوصول العادل إليها في جميع المناطق، أصبح من الضروري اعتماد استراتيجيات شاملة.
من أبرز التحديات التي يواجهها القطاع الصحي في موريتانيا الانتشار غير المنظم للصيدليات، حيث لوحظ أن بعض الصيدليات تعتمد أساليب تشبه الدكاكين المحلية التقليدية في بيع المواد الغذائية، مما قد يؤثر على جودة الخدمات الصيدلانية المقدمة للمواطنين. لذا، يصبح من الضروري وضع إطار تنظيمي صارم للصيدليات، وربطها بمنصة رقمية وطنية تسهم في تقدير حاجيات السوق بدقة، ومراقبة توزيع الأدوية، وضمان الشفافية ومحاربة المضاربة بالأسعار، إذ ستكون الأسعار متاحة للمشتري على المنصة، وتمكين المواطنين من الوصول إلى الأدوية المطلوبة بسهولة.
يمثل استيراد الأدوية وضمان جودتها تحديا رئيسيا في موريتانيا. ومن الضروري أن تشرف الدولة بشكل مباشر على استيراد الأدوية، مع الحد من الاعتماد على الوسطاء التجاريين، إذ قد يؤدي الإفراط في الاعتماد عليهم أحيانا إلى تداول أدوية مغشوشة أو مشبوهة، كما أظهرت التجربة المحلية من خلال عمليات التفتيش المتكررة التي أسفرت عن ضبط أدوية مزورة وأخرى مشبوهة. ويساهم هذا الإشراف في ضمان توفر الأدوية الحيوية بأسعار عادلة والحد من المخاطر الصحية المرتبطة بالأدوية المشبوهة. كما ينصح بالابتعاد عن مختبرات الأدوية المشبوهة والاعتماد على مختبرات ذات سمعة صيدلانية عالية، مثل المختبرات في فرنسا، إسبانيا، تونس، المغرب، والجزائر حسب الإمكانيات، مع الحرص على ظروف النقل والاستلام والتخزين والتوزيع لضمان سلامة وجودة الأدوية.
على صعيد آخر، يظل تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية في المناطق النائية من أبرز الأولويات في موريتانيا. ولتحقيق ذلك، ينصح بالاعتماد على خدمات صحية متنقلة تشمل سيارات عيادات ومختبرات مجهزة، قادرة على تقديم الفحوصات والاستشارات الطبية مباشرة في القرى والمناطق البعيدة، لا سيما في ظل تسجيل إنفاق مئات الملايين على برامج لم تفض في كثير من الأحيان إلى أثر واضح وملموس على أرض الواقع. ويمكن تعزيز هذا النموذج من خلال منصة رقمية للطب عن بعد تحت إشراف وزارة الصحة، تتيح للمقاطعات النائية استشارات طبية إلكترونية بالتعاون مع الممرض المحلي، مما يضمن متابعة دقيقة للحالات الصحية وتحسين سرعة الاستجابة الطبية. كما يمكن تشجيع الأطباء على تخصيص ساعات شهرية للعمل ضمن منصة الطب عن بعد، بحيث يساهم استخدام الإنترنت في تقريب الخدمات الصحية من جميع المواطنين، لا سيما الفئات الهشة في المناطق النائية، ويسهم هذا النهج في توسيع نطاق الرعاية الصحية وزيادة كفاءتها وفعاليتها.
يكتسب التركيز على الوقاية والتوعية الصحية أهمية كبيرة، ويوصى بتنفيذ برامج منتظمة تشمل التطعيمات، والتثقيف الصحي في المدارس والمجتمعات المحلية، ومبادرات الصحة العامة، بهدف تعزيز صحة المواطنين على المدى الطويل.
على صعيد آخر، يكتسب التأمين الصحي الشامل والعدالة في الوصول إلى الرعاية الصحية أهمية كبيرة. وينبغي أن يشمل هذا النظام الأطفال دون سن الخامسة عشرة، وكبار السن فوق السبعين عاما، وذوي الاحتياجات الخاصة، بما يضمن توفير الرعاية الصحية الضرورية دون عوائق مالية، ويعزز مبادئ العدالة الاجتماعية.
في هذا الإطار، ولضمان كفاءة إدارة القطاع الصحي، يصبح من الضروري رقمنة مختلف الخدمات الصحية وإدارتها بشكل متكامل، بما يشمل بيانات المرضى، وحركة الصيدليات، وبرامج التطعيمات، ومراقبة جودة الخدمات في المستشفيات العمومية والمصحات الخاصة. كما يتطلب ذلك تطوير أنظمة لتحليل البيانات الصحية، مما يساعد على اتخاذ قرارات استراتيجية مبنية على أسس علمية وفعالة.
إضافة إلى ذلك، تبرز الحاجة إلى ضبط انتشار المصحات الخاصة من خلال إلزامها باحترام معايير تنظيمية وطبية واضحة تضمن جودة الخدمات الصحية وسلامة المرضى. كما يصبح من الضروري رقمنة الاستشارات الطبية وتنظيمها، بما يسمح بمتابعة عدد الاستشارات اليومية، على أن تنتهي الاستشارات الروتينية في حدود الساعة الثامنة مساء، لضمان التوازن بين الخدمة في المستشفيات العمومية والخاصة براحة لجميع الأطراف.
وفي سياق استكمال متطلبات إصلاح القطاع الصحي، تظهر أهمية تطوير الكفاءات الطبية الوطنية وتعزيز البحث العلمي، من خلال تحمل الدولة تكاليف مشاركة الأطباء في المؤتمرات الدولية لتبادل الخبرات والاطلاع على أحدث المستجدات، إلى جانب إرساء آليات تحفيزية، من بينها جوائز موجهة للبحث العلمي، بما يسهم في دعم الابتكار وتحسين جودة الخدمات الصحية.
وفي الختام، يتطلب تطوير القطاع الصحي في موريتانيا اعتماد استراتيجية شاملة تجمع بين التنظيم الفعال، وضمان جودة الأدوية، وتعزيز الرعاية الصحية المتنقلة، وترسيخ ثقافة الوقاية والتوعية الصحية، إضافة إلى توسيع نطاق التأمين الصحي الشامل، وتبني إدارة رقمية ذكية للقطاع الصحي. إن اعتماد هذه الاستراتيجيات لا يحسن جودة الرعاية الصحية فحسب، بل يعزز التنمية المستدامة ويضع صحة المواطن محورا أساسيا للتنمية الوطنية.