جدول المحتويات
يُثار في الآونة الأخيرة نقاش متكرر حول تحديد بعض النقاط الحدودية، استنادًا إلى خرائط رقمية أو تطبيقات ملاحية.
ولتأطير هذا الموضوع تأطيرًا علميًا وقانونيًا دقيقًا، لا بد من التذكير بأن الاتفاقيات الدولية، مهما بلغت درجة تفصيلها، لا تُغني عن الترسيم الميداني للحدود.
فالاتفاقية الموقعة في خاي بتاريخ 16 فبراير 1963 بين موريتانيا ومالي، رغم ما تضمنته من وصف قانوني لمسار الحدود، تبقى في جوهرها اتفاقية تحديد (Delimitation)، أي أنها ترسم الحدود على المستوى القانوني والنظري.
ويُستدل على ذلك أيضًا بإحالة بعض المقاطع إلى ترتيبات لاحقة تتولاها لجان مشتركة مكلفة بالتطبيق الميداني، وهو ما يؤكد أن النص الاتفاقي وحده لا يُنتج حدًا مرسومًا بشكل نهائي على الأرض.
ومن الناحية القانونية الصرفة:
ما لم تُستكمل إجراءات الترسيم (Demarcation) عبر وضع العلامات الحدودية المادية وتحديد الإحداثيات الدقيقة على الأرض، فإن خط الحدود يظل خطًا مرجعيًا نظريًا، قابلًا للاختلاف في التفسير عند التطبيق الميداني، ولا يمكن اعتباره وحده كافيًا للحسم في مسائل السيادة على مستوى النقاط التفصيلية.
أما بخصوص الخرائط المتداولة:
فإن العديد من الخطوط التي تظهر اليوم، خصوصًا على تطبيق Google Earth، تستند في أصلها إلى طبقات خرائطية قديمة ذات مقاييس مختلفة (مثل 1/200,000 أو 1/500,000)، أُعيد إدماجها ضمن أنظمة رقمية حديثة دون أن تعكس دائمًا دقة الترسيم الميداني الفعلي.
وتشمل هذه الطبقات خرائط طبوغرافية قديمة، من بينها خرائط ذات مصدر فرنسي، أُعيد توظيفها لإنتاج تمثيل تقريبي لمسار الحدود.
غير أن هذا التمثيل، على الرغم من دقته الظاهرية، يظل غير ذي حجية قانونية ملزمة، ولا يعكس بالضرورة المسار الحقيقي للحدود كما يُفترض أن يثبته الترسيم المشترك على الأرض.
ومن باب الإنصاف والتوضيح:
تعتمد القوات المسلحة في موريتانيا، في إطار مهامها العملياتية وبياناتها الميدانية، على الخرائط وأنظمة الملاحة المتاحة، باعتبارها أدوات عمل تقنية ضرورية في الميدان. غير أن هذه الأدوات، رغم أهميتها، تبقى وسائل تقدير عملياتي، ولا ترقى إلى مستوى المرجعية القانونية النهائية التي لا تتحقق إلا عبر الترسيم المعتمد بين الدولتين.
وفي سياق أعمال الترسيم المشترك:
شهدت أعمال اللجنة المشتركة بين موريتانيا ومالي تقدمًا في مقاربات تهدف إلى مواءمة مسار الحدود مع الواقع الديمغرافي للتجمعات السكانية على جانبي الخط، بما يضمن معالجة وضعيات ميدانية معقدة.
وقد أسفرت هذه الجهود عن تفاهمات قطاعية مكّنت من معالجة عدد من الإشكالات المرتبطة بالمجال الحدودي وأدت إلى استقرار أوضاع العديد من التجمعات السكنية التي تضم مواطنين ومرافق إدارية تابعة للدولة.
غير أن هذا المسار، بحسب ما هو متداول في الأوساط المعنية، لم يُستكمل بشكل نهائي، حيث واجه عراقيل حالت دون استكمال الترسيم في مرحلته الأخيرة، وهو ما أبقى بعض المقاطع الحدودية في وضعية غير محسومة ميدانيا بصورة نهائية.
وعليه، فإن الجزم بأن نقطة ما تقع داخل دولة بعينها اعتمادًا على تطبيقات رقمية أو إحداثيات هاتفية، يظل تقديرًا تقريبيًا لا يرقى إلى مستوى الإثبات القانوني أو الطبوغرافي الملزم.
وفي الختام أقول إنه يتعين التمييز بين:
حدود مُحددة بموجب اتفاقيات دولية مكتوبة وحدود مُرسّمة فعليًا على الأرض بعلامات وإحداثيات دقيقة وهو تمييز جوهري يفصل بين الإطار القانوني النظري والتطبيق الميداني الفعلي، ولا يمكن تجاوزه بالاعتماد على أدوات رقمية مهما بلغت دقتها التقنية.
ويظل الحل الأمثل، وفق ما استقرت عليه الممارسة الدولية، هو استكمال أعمال الترسيم عبر لجان مشتركة دائمة، بما يضمن وضوح الحدود، وتعزيز الاستقرار، وتفادي أي التباس أو نزاع مستقبلي.