تخطى الى المحتوى

جوهر التوازن بين فعالية المتابعة الجنائية وضمانات الحصانة البرلمانية

القاضي: سيديا للاف أحمد صيد

جدول المحتويات

في المنظومة القانونية الموريتانية، يثير موضوع الاعتداء اللفظي على رئيس الجمهورية عبر وسائل التواصل الاجتماعي - لا سيما إذا صدر عن نائب برلماني - إشكالًا قانونيًا دقيقًا يتقاطع فيه مبدآن متلازمان: حرية التعبير بوصفها ضمانة دستورية، وحماية هيبة الدولة ورموزها باعتبارها مصلحة عليا لا تقل أهمية.

 

فالأصل أن حرية التعبير تشمل، بطبيعتها، الحق في النقد، حتى وإن كان حادًا أو صادمًا، خاصة حين يصدر عن نائب يمثل إرادة شعبية ويُفترض أن يتمتع بهامش أوسع في مساءلة السلطة. غير أن هذا الحق لا يمتد ليشمل الألفاظ التي تنحدر إلى مستوى الإهانة الشخصية أو السبّ الصريح، إذ عند هذه النقطة يفقد الخطاب صفته السياسية ويكتسب وصفًا جزائيًا، يخرجه من دائرة الحماية الدستورية إلى نطاق التجريم.

 

وتزداد حساسية المسألة حين يتعلق الأمر برئيس الجمهورية، الذي لا يُنظر إليه في هذا السياق كشخص طبيعي فحسب، بل كرمز للدولة ووحدتها واستمراريتها. ومن ثم، فإن المشرّع الموريتاني يتجه إلى إضفاء حماية خاصة على هذا المقام، عبر تجريم الأفعال التي تمس اعتباره أو تنتقص من هيبته، خاصة إذا ارتُكبت في إطار علني، كما هو الحال في وسائل التواصل الاجتماعي التي تُعدّ قانونًا وسيلة نشر عمومي.

 

غير أن خصوصية الفاعل - إذا كان نائبًا برلمانيًا - تُدخل عنصرًا إضافيًا في التحليل، هو نظام الحصانة. فالحصانة البرلمانية لم تُقرّ لحماية النائب كشخص، بل لضمان استقلاله في أداء وظيفته. لذلك، فإن ما يصدر عنه خارج قبة البرلمان، ولا يتصل مباشرة بمهامه النيابية، لا يدخل في نطاق الحصانة الموضوعية، وإنما يظل خاضعًا للحصانة الإجرائية التي يمكن رفعها وفق الضوابط الدستورية.

 

وهنا يبرز الإشكال الأكثر دقة، المتعلق بتكييف الأفعال المرتكبة عبر الفضاء الرقمي، خاصة من زاوية مفهوم حالة التلبس. فالتصور التقليدي للتلبس يقوم على عنصر المعاصرة الزمنية بين وقوع الجريمة وضبطها، وهو تصور نشأ في سياق الجرائم المادية الآنية. غير أن إسقاطه على الجرائم الرقمية أفرز اتجاهًا موسعًا يرى أن النشر الإلكتروني يُنشئ حالة تلبس ممتدة، طالما أن المحتوى لا يزال قائمًا ومتداولًا.

 

غير أن هذا الاتجاه، رغم ما يوفره من مرونة إجرائية، ينطوي على مخاطر قانونية واضحة، إذ يخلط بين لحظة ارتكاب الجريمة - المتمثلة في النشر - وبين آثارها المستمرة المتمثلة في بقاء المحتوى متاحًا. والقول باستمرار حالة التلبس لمجرد استمرار الأثر يؤدي، من الناحية العملية، إلى جعل التلبس حالة دائمة، وهو ما يتعارض مع طبيعته الاستثنائية، ويفتح الباب لتجاوز الضمانات الإجرائية، وفي مقدمتها الحصانة البرلمانية.

 

وعلى هذا الأساس، فإن التكييف الأدق يقتضي اعتبار الجريمة قد تمت لحظة النشر، وأن ما يلي ذلك لا يعدو كونه أثرًا مستمرًا لا يُنشئ حالة تلبس جديدة ولا يمددها. أما القول بخلاف ذلك، فيؤدي إلى توسيع استثناء التلبس على حساب القاعدة، ويُفرغ الحصانة من مضمونها كضمانة دستورية.

 

وبناءً عليه، يمكن القول إن الموقف القانوني في موريتانيا يقوم - في مستواه النظري - على محاولة تحقيق توازن بين حماية الرموز وضمان حرية التعبير، غير أن التطبيق قد يميل أحيانًا إلى تغليب منطق الحماية، خاصة من خلال التوسع في تفسير حالة التلبس في الجرائم الرقمية. وهو توجه، وإن كان مفهومًا من زاوية الحفاظ على النظام العام، إلا أنه يظل بحاجة إلى ضبط دقيق حتى لا يتحول إلى مدخل لتقييد الحقوق الدستورية.

 

وخلاصة القول، أن الحد الفاصل يجب أن يُرسم بوضوح بين النقد السياسي - مهما كان قاسيًا - وبين الإهانة المجرّمة، كما يجب التمييز بدقة بين الواقعة المنشئة للجريمة وآثارها المستمرة، تفاديًا للخلط الذي قد يؤدي إلى تقويض التوازن الدقيق بين فعالية العدالة الجنائية وضمانات الحصانة البرلمانية.

الأحدث