جدول المحتويات
على من يديرون ملفات السياسات التنموية في البلد من مستشارين وخبراء ومسؤولين سامين آخرين أن يدركوا أن تعبئة الموارد المالية الضرورية للاستثمارات والتسيير لا تقتصر بالضرورة على مداخيل الشركات العمومية وشبه العمومية والضرائب وعوائد القروض، إلخ. فحسب، بل تتطلب التفكير العميق لتنويع موارد البلد في مجالات لم تستغل لحد الآن الاستغلال الأمثل.
في هذا الإطار وفي ظل الوضعية الاقتصادية الدولية التي تزداد تعقيدا يوما بعد يوم بفعل تعدد بؤر الصراعات المسلحة التي تؤثر بشكل مباشر على معظم اقتصاديات العالم، وبشكل خاص الاقتصاديات السائرة في طريق النمو واقتصاديات البلدان المصنفة أنها فقيرة مثل بلدنا، أرى أن السياحة بشكل عام والسياحة الثقافية بشكل خاص قد توفر مداخيل معتبرة لخزينة الدولة إن تم اعتماد سياسة جديدة في هذا الإطار تثمن المنتج الثقافي الزاخر لبلدنا وتقدمه للعالم تقديما يختلف عن الأساليب المتبعة لحد الآن.
ففي بلدنا الذي له شواطئ أطلسية تزيد على 700 كلم، مع العديد من المواقع الأثرية على امتداده من الرأس الأبيض (نواذيبو) إلى مصب نهر السنغال، بعضها يعود إلى الإمبراطورية الفينيقية في شمال إفريقيا وبعضها يعود لفترة الاحتلال البرتغالي لسواحلنا الأطلسية، يمكن إقامة محطات سياحية على امتداده تبدأ بإقامة نصب تذكاري لعشرات الآلاف من السكان المحليين ممن قتلوا أو اختطفوا ليرحلوا ويباعوا كعبيد بعد شحنهم من جزيرة آرغين إلى البرتغال ما بين 1441 و1633.
لقد ظهرت فكرة إنشاء محمية طبيعية في حوض آرغين علي يد الباحث الفرنسي الكبير تيودور مونو Théodore Monod مطلع سبعينيات القرن الماضي وتبنتها السلطات العمومية في تلك الفترة لتتجسد سنة 1976.
لكن الواضح أن التركيز على البعد البيئي لهذه المحمية من قبل الباحث المذكور كان سببه الرئيسي أن تيويودور مونو لم يطلع حينها بعد على تفاصيل تاريخ الجزيرة إلا بعد عقد من تبلور فكرته الأولى بإقامة المحمية، وذلك أثناء بحثه بخصوصه كتابه الموسوم: L’île d’Arguin, Mauritanie. Essai historique الصادر سنة 1983 والذي استقى جل معلوماته من باحثين برتغاليين كبار.
المؤسف حقا أن سلطات البلد لم تغير نظرتها إزاء المشروع الأصلي على ضوء المعطيات التاريخية التي قدمها مونو في كتابه المنوه عنه والتي، رغم أهميتها، لم تأت على كل ما جرى من فظائع ومآس تعرض لها سكان سواحلنا.
لقد آن الأوان وفي ضوء المعلومات المتطابقة والتي ذكر بعضها تيودور مونو في عمله المنوه عنه أعلاه، كما أسلفنا، وكذلك تلك التي تكشفت من المصادر البرتغالية المرجعية في هذا المجال، مثل الإخباري زورارا Zurara الذي واكب بدايات تلك الأحداث وكتب عنها كتابا قيما تمت ترجمته إلى العربية سنة 2015 وحاز منفردا على جائزة شنقيط للآداب والفنون في السنة الموالية، علاوة على ما كتبه المؤرخون البرتغالييون المعاصرون من أمثال آنتونيو دي آلميدا منديس Antonio de Almeida Mendes المتخصص في تاريخ الاستعباد وتجارة الرقيق، أن يتم تثمين الإرث الثقافي التاريخي لأرخبييل آرغين كمستودع وكنز ثمين لتاريخنا يجب أن ندعو المهتمين في العالم كله لزيارته والاطلاع على محطات هامة من ماضينا من خلاله.
أعتقد أنه إذا استطعنا إقامة النصب التذكاري المذكور وفق المعايير الفنية المطلوبة، مع إعادة إنتاج الأدوات التي كانت تستخدم في تلك الفترة من قبل البرتغاليين للتعامل مع الضحايا وحتى ترحيلهم إلى المدن البرتغالية وأيضا ما كان يقوم به القراصنة الإسبان المنطلقين من جزر الكناري من اختطاف لسكان شواطئنا إبان فترة الاحتلال البرتغالي لها، مع إقامة البنى السياحية الضرورية وفق معايير صديقة للبيئة، سنجني من ذلك عائدات مالية معتبرة لصالح خزينة الدولة، تماما مثل ما تستفيد دول مجاورة لنا من تثمين أحداث مماثلة وقعت لسكانها على يد القوى الأوروبية التي مارست تجارة الرقيق العابرة للقارات، كما هو الحال في جزيرة غوري بالسنغال.