جدول المحتويات
يعيش المجال العام هذه الأيام على وقع اعتقالات تمت بعد انتشار خطاب متطرف يستند إلى نشر الكراهية، يستهدف ضرب المجتمع في أقدس ما عنده .. ألا وهو انسجامه ووحدته.
وتحتاج مواجهة هذ الواقع لشيء من الحكمة.. حكمة لا شك سيلازمها حزم وعزم للوقوف في وجه مساعي التشظي الاجتماعي، ومطالب التمايز العرقي، التي سعى البعض من أجل بث دعايتهما خلال الفترة الماضية.
ما يحصل الآن من خطوات بحق سدنة الخطاب الفئوي لا يمكن وصفه بالقرار المبيت والمدروس الذي تم التخطيط له بعناية، بقدر ما هو ظرف أملته الضرورة وفرضه الواقع، وهو نفسه الواقع الذي يلزمنا بالوقوف مع وحدة الوطن، والتصدي لدعاة الفرقة والفتنة.
إن المطلوب من أبناء الوطن الشرفاء هو الوقوف التام واللا مشروط مع الدولة في سعيها لضبط المشهد، وإعادة الانسجام بين فئات المجتمع إلى ما كان عليه الحال قبل تصاعد خطاب التفرقة والتشرذم الذي تبثه طبقة من الانتفاعيين والمستغلين، سبيلا لتعزيز مكاسب سياسية حصل لديهم اليقين أنهم لن يحافظوا عليها إلا على حساب وحدة الوطن وانسجام مكوناته.
لا خلاف أنكم تدركون أن الخطاب الشرائحي المتطرف تطور من حالة شاذة في المشهد السياسي إلى سلوك يتبناه من يريد أن يضع قدما في الساحة السياسية، وهو ما أدركه صاحب القرار، فبدأت إجراءات تحاول ضبط المشهد قبل أن ينتقل هذا الخطاب من ظاهرة إلى حالة مهيمنة، وحينها سيستعصي التعامل معه نظرا لأن تداعياته قد تكون أخطر وأعمق.
قد يقول قائل إن ما يحصل هو تعد على الحريات، وجواب ذلك يتجلى في التأكيد على أنه يجب أن نجسد الاستقرار أولا، إذ أن الحريات في ظل التشرذم هي الفوضى بحد ذاتها. وهنا قد يبرز تساؤل لماذا نندفع بهذا الحماس مع الدولة للوقوف في وجه هذا الخطاب؟ وهو سؤال إجابته تبدو قريبة جدا، إذ أن الفوضى والاستقرار كلاهما مؤثر في واقعنا، وبالتالي قد اخترنا سبيل الاستقرار، وهو سبيل لا يتعارض مع مطالب الدعوة الجادة إلى تجسيد مزيد من العدل والحق، لكن دون السماح بانزلاق البلد إلى المجهول.
ختاما، لا مناص من القول إن بلادنا اليوم تحتاج إلى "تحصين المشهد السياسي" عبر تجريم الخطاب الشرائحي واللوني تجريما قانونيا صريحا لا يقبل التأويل اللفظي ولا الاستغلال السياسي، خصوصا وأن هناك من يريد نقل ما يجري ضمن حلبة المشهد السياسي من تدافع طبيعي وصحي إلى صراع صفري، بل يدفع باتجاه أبعد من ذلك، عبر حمل ذلك الخطاب البغيض بكل حمولاته اللفظية من المجال السياسي إلى الميدان الاجتماعي، وهو سعي ندرك يقينا فشله. خاصة وأن من يريد أن يجعل من الطبقات الهشة وقودا لتدمير حاضر ومستقبل البلد سيقابل بحائط من الرفض الشعبي يعزز مرارة العزلة السياسية التي وقع فيها نتيجة أحلام وأوهام خرقاء، غذتها طموحات سياسية بلهاء، تهدف للوصول إلى مكانة لا يمكن أن يصل إليها إلا من كان حصيفا ظريفا، راكم من التجربة الشيء الكثير، وله من الحكمة ما يجعل خطاباته السياسية وتصرفاته الميدانية عوامل جذب لا دواعي نفور.