جدول المحتويات
لم تكن أزمة مضيق هرمز حدثًا بعيدًا يمكن التعامل معه كخبر دولي عابر، بل كانت إنذارًا مباشرًا لاقتصادات تعتمد على الخارج دون حماية كافية، وموريتانيا في مقدمتها. فالأزمات الكبرى لا تصنع الهشاشة، بل تُعريها. وما جرى لم يكن سوى لحظة كاشفة لنموذج اقتصادي يعيش على تدفق مستمر من الخارج، دون أن يمتلك أدوات الصمود عندما يتعثر هذا التدفق.
تكمن خطورة مضيق هرمز في كونه شريانًا حيويًا للطاقة العالمية؛ إذ تمر عبره نحو 20% من الإمدادات العالمية من النفط، وحوالي النسبة نفسها من تجارة الغاز الطبيعي المسال. وهذا يعني ببساطة أن أي اضطراب فيه لا يبقى محصورًا في الجغرافيا، بل يتحول فورًا إلى صدمة أسعار عالمية، تمتد آثارها إلى النقل والغذاء والصناعة. إنها سلسلة مترابطة، وأي خلل في حلقة منها كفيل بإرباك الجميع.
في هذا المشهد، يظهر الاقتصاد الموريتاني كأحد أكثر المتأثرين، لا بسبب حجم الصدمة، بل بسبب ضعف المناعة. فبلد يعتمد بشكل كبير على استيراد المشتقات النفطية والمواد الأساسية لا يملك رفاهية التأقلم البطيء. ومع أول اضطراب، ترتفع كلفة الشحن والتأمين، وتصل الفاتورة سريعًا إلى المستهلك.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فحتى عندما تنخفض أسعار النفط عالميًا، لا يشعر السوق المحلي بالانفراج ذاته. والسبب بسيط: موريتانيا لا تستورد النفط الخام، بل المنتجات المكررة، ما يعني أن السعر النهائي محمّل بطبقات من التكاليف، من التكرير إلى النقل إلى التأمين. النتيجة: سوق محلية منفصلة جزئيًا عن الاتجاهات العالمية، وقد ترتفع فيها الأسعار حتى عندما تنخفض عالميًا.
الأزمة كشفت أيضًا واقعًا أكثر إزعاجًا: ضعف المخزون الاستراتيجي. ففي ظل غياب احتياطات كافية، يتحول أي اضطراب خارجي إلى أزمة داخلية فورية. اقتصاد يعمل بمنطق “التدفق المستمر” دون شبكة أمان هو اقتصاد يعيش على حافة المخاطر، حيث تختفي قدرة الدولة على المناورة، ويصبح القرار الاقتصادي رهينًا بالظروف الخارجية.
ويزداد الوضع تعقيدًا مع محدودية تنويع الشركاء ومسارات التوريد. الاعتماد على عدد محدود من المصادر ليس مجرد خيار اقتصادي هش، بل مخاطرة استراتيجية. فكلما ضاقت الخيارات، زادت الهشاشة. ولهذا لم يعد تنويع الشركاء ترفًا، بل ضرورة لحماية الاستقرار.
وعلى الصعيد الداخلي، كشفت هذه التطورات عمليًا هشاشة قدرة السوق على التنظيم الذاتي، حيث أدّى ضعف الرقابة إلى ظهور احتكار ومضاربة في سوق المحروقات، ما انعكس على تزويد المستهلكين. وقد استدعى ذلك تدخل السلطات العمومية بتشديد الرقابة وتغريم عدد من المحطات، وهو ما أعاد الانسيابية إلى السوق واستقرار التموين. ويؤكد ذلك أهمية دور الدولة كمنظم يضمن شفافية السوق ويحد من الاختلالات دون إلغاء آليات الاقتصاد الحر.
ما تفرضه أزمة مضيق هرمز على موريتانيا ليس مجرد قراءة ظرفية، بل مراجعة عميقة لمسارها الاقتصادي. فالبلد يقف اليوم أمام مفترق حقيقي: إما الاستمرار في نموذج تابع يتأثر بكل هزة خارجية، أو الانتقال إلى نموذج أكثر استقلالية وقدرة على الصمود.
في هذا الإطار، تمثل الاتفاقية الموقعة في الجزائر بشأن استيراد المحروقات خطوة عملية نحو الحد من التعرض للصدمات الخارجية، عبر تنويع مصادر التوريد وتعزيز التعاون الإقليمي.
غير أن هذه المبادرة، على أهميتها، لا تكفي بمفردها. إذ يظل الرهان الحقيقي في إدماجها ضمن رؤية شاملة تقوم على بناء منظومة متكاملة: مخزون استراتيجي حقيقي، أدوات فعالة لإدارة المخاطر، وسوق منظم لا يُترك للمضاربة. بدون ذلك، ستظل كل أزمة خارجية اختبارًا جديدًا لنفس الهشاشة.