تخطى الى المحتوى

باماكو تحرق الجسور: عندما يتوه العسكر بين نكران الجميل واستعداء الجوار

عبد الله محمدن لوبو - باحث في تاريخ الغرب الإسلامي في العصر الوسيط

جدول المحتويات

لم يعد الصمت تجاه ما يحدث على حدودنا الشرقية حكمة، بل بات نوعا من التغاضي الذي يغذي غرور العسكر في باماكو؛ فما الذي تريده مالي بالضبط؟ هل قررت هذه الدولة التي تعيش مخاض الفشل والتمزق أن حل أزماتها الداخلية المستعصية يكمن في "تصدير" القلق وافتعال الصدامات مع جار لم يجن من حدودها سوى رياح الموت وبارود المدافع؟

 

إن ما نراه اليوم من استفزازات متكررة واستباحة لدم الموريتانيين المسالمين ليس مجرد حوادث حدودية عابرة، بل هو هروب مفضوح للأمام، ومحاولة بائسة لرمي كرة النار الملتهبة خارج الحدود، ظنا من النخبة الحاكمة هناك أن إشعال فتيل الأزمة مع نواكشوط سيشغل الداخل المالي عن الانهيار الاقتصادي وضياع السيادة على أراضيهم المنفلتة.

 

إن هذا السلوك المالي المتخبط لم يقتصر على نواكشوط، بل امتد ليعض اليد التي طالما ضمدت جراحه في الجزائر. ففي سقطة دبلوماسية تاريخية، أعلنت باماكو إنهاء "اتفاق الجزائر للسلام" من طرف واحد، وراحت تكيل الاتهامات للجزائر بالتدخل في شؤونها، متناسية أن الجزائر هي التي منعت سقوط الدولة المالية لسنوات عبر وساطتها وصبرها. 

 

إن استعداء الجزائر وموريتانيا في آن واحد ليس "سيادة"، بل هو انتحار استراتيجي؛ فكيف لمن يعجز عن تأمين عاصمته من هجمات المسلحين أن يفتح جبهات دبلوماسية وعسكرية مع جيرانه الذين يمثلون صمام أمانه الوحيد؟ إنها قمة الإخفاق أن يتحول الجيش المالي، المسنود بمرتزقة "فاغنر"، من مطاردة الإرهابيين إلى مطاردة الرعاة الموريتانيين العزل والتنكيل بهم داخل القرى الحدودية، في انتهاك صارخ لكل أعراف الجوار.

 

إن هذا السلوك العدائي يمثل ذروة "نكران الجميل" لدولة مثل موريتانيا، التي كانت ولا تزال هي الرئة الوحيدة التي تتنفس منها مالي المحاصرة؛ ففي الوقت الذي أغلقت فيه دول "الإيكواس" حدودها، كانت موريتانيا هي السند والشريان الاقتصادي الذي منع سقوط باماكو كليا. لقد تحول ميناء نواكشوط المستقل إلى بوابة مالي على العالم، ومنحتهم نواكشوط تسهيلات تفضيلية وامتيازات لوجستية لم يجدوها في أي عاصمة أخرى. ويبدو أن هذا الكرم الموريتاني أسال لعاب الأطماع في باماكو، التي باتت تنظر بـ"حسد جغرافي" إلى الشواطئ الموريتانية، وتحلم واهمة بفرض نفوذ أو الحصول على شريط على المحيط الأطلسي عبر ممارسة الابتزاز الحدودي، وهي أحلام ستتحطم لا محالة على صخرة السيادة الموريتانية.

 

على قادة باماكو أن يراجعوا دفاتر التاريخ قبل التمادي في غيهم، فالعلاقة بين بلاد شنقيط ومالي كانت دائما علاقة منارة بمريد، حيث كان الشناقطة هم مصدر العلم والفقهاء الذين أضاءوا تلك الربوع. إن محاولة "تصدير الفشل" المالي نحو الجزائر وموريتانيا هي لعب بالنار، وعلى قادة باماكو أن يفهموا جيدا أن الصبر الموريتاني والجزائري له حدود، وخسارة هذين الحليفين تعني ببساطة إغلاق القفل الأخير على مالي وتحويلها إلى سجن جغرافي معزول. الفشل يُعالج في الداخل لا بالتحرش بالجيران، ومن يحاول هدم الجدار الذي يستند إليه سيسقط السقف فوق رأسه وحده.

 

موريتانيا ليست مجرد طريق للمرور، بل هي جدار صلب، وهي التي فتحت أبوابها للاجئين وتقاسمت خبزها مع الجيران ولن تقبل أن تكون "ممسحة" لأخطاء العسكر الجاثمين على باماكو.

الأحدث