تخطى الى المحتوى
المهندس بابه ولد يعقوب ولد أربيه

جدول المحتويات

فخامة رئيس الجمهورية،

يُروى أن صحفيا كتب ذات يوم إلى الرئيس جمال عبد الناصر رسالة عبر البريد، في زمن لم تكن فيه الكلمة تصل بسهولة، لكنه فوجئ لاحقا بأنها لم تصل فحسب، بل قُرئت وأُخذت بعين الاعتبار.

 

أستحضر هذه الحكاية اليوم، لا للمقارنة بين زمنين، بل إيمانا بأن الكلمة الصادقة، حين تُكتب بمسؤولية، تجد طريقها… خصوصا حين تُوجَّه إلى من يُحسن الإصغاء.

 

وقد شجّعني على الكتابة إليكم، فضلا عن إتاحة وسائل التواصل الحديثة، ما يُعرف عنكم من اهتمام بالقراءة، وما تعنيه من انفتاح على الأفكار، حتى تلك التي تأتي من خارج دوائر القرار.

 

فخامة الرئيس،

لا أحمل إليكم مطلبا شخصيا، بل أكتب بدافع القلق على مسألة أراها تمسّ جوهر الاستقرار الوطني: مسألة الطاقة.

 

لقد كشفت الأزمة الأخيرة في المحروقات، في أعقاب اضطراب الإمدادات العالمية، عن هشاشة موقعنا الطاقوي، ولم تكن المشكلة في ندرة الموارد، بقدر ما كانت في محدودية قدرتنا على التحكم فيها، وهنا يبرز السؤال الذي لا يحتمل التأجيل: هل نظلّ أسرى تقلبات السوق الدولية، أم نمتلك الحد الأدنى من القرار في هذا المجال الحيوي؟

 

إن الإجابة، في تقديري، لا تكمن في إجراءات ظرفية، بل في تبني مسار تدريجي ينقلنا من منطق “تأمين الإمدادات” إلى أفق “السيادة الطاقوية”، ويمكن أن يبدأ هذا المسار بخطوات عملية ومترابطة، لعل أبرزها:

 

أولًا: العمل على إنشاء مصفاة وطنية متوسطة، بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يتيح تقليص الاعتماد على استيراد المنتجات المكررة، ويمنح البلاد هامشا أكبر من التحكم في سوقها الداخلية.

 

ثانيًا: بناء مخزون استراتيجي فعّال من المحروقات، يغطي ما لا يقل عن تسعين يوما، مع توزيع جغرافي مدروس، يضمن سرعة الاستجابة ويعزز القدرة على امتصاص الصدمات.

 

ثالثًا: الاستثمار الحاسم في الطاقات المتجددة، عبر برنامج وطني طموح يهدف إلى إنتاج نسبة معتبرة من الكهرباء محليًا في أفق 2035، مستفيدين من الإمكانات الكبيرة التي تزخر بها بلادنا في مجال الشمس والرياح، مع بدء التحول التدريجي للنقل العمومي نحو الكهرباء.

 

وإلى جانب هذه الأولويات، تظلّ إجراءات مرافقة لا تقل أهمية، من بينها تنويع موردي الطاقة، وتعزيز التكامل مع دول الجوار، خصوصًا في مجالي الغاز والكهرباء، إضافة إلى تطوير النقل العمومي وترشيد الاستهلاك، واعتماد الرقمنة في تسيير قطاع المحروقات للحد من الهدر وسوء التسيير.

 

فخامة الرئيس،

إن التحكم في الطاقة لم يعد مجرد خيار اقتصادي، بل أصبح عنصرا حاسما من عناصر الأمن الوطني، والدول لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى قوة مستقرة ومستدامة.

 

واثق أن هذه الأزمة، على صعوبتها، يمكن أن تتحول إلى فرصة لإطلاق مسار جديد، يضع بلادنا على طريق استقلال طاقوي تدريجي، يعزز مناعتها، ويمنحها موقعا أفضل في عالم سريع التحول.

 

وتفضلوا، فخامة الرئيس، بقبول فائق الاحترام والتقدير.

الأحدث