جدول المحتويات
إن أخطر ما قد تواجهه أي تجربة ديمقراطية ناشئة هو العبث بالقواعد المؤسسة لها، وفي مقدمتها مبدأ تحديد المأموريات، فهذه القاعدة ليست تفصيلًا قانونيًا عابرًا، بل هي صمّام أمان يقي الدولة من الانزلاق نحو الحكم الفردي، ويضمن الحد الأدنى من التداول السلمي على السلطة.
لقد شكّل قرار حصر مأموريات رئيس الجمهورية في اثنتين مكسبًا دستوريًا بالغ الأهمية، جاء بعد عقود من الاضطراب السياسي، وكان بمثابة تعاقد وطني على طيّ صفحة التمديد والانفراد بالحكم، غير أن مجرد فتح النقاش حول إمكانية التراجع عن هذا المبدأ، أو تأويله بشكل يفرغه من مضمونه، يُعدّ في حد ذاته مؤشرًا مقلقًا، يهدد بتقويض الثقة في جدية الالتزام بالمسار الديمقراطي.
إن التجارب، في موريتانيا وغيرها، أثبتت أن فتح باب المأموريات لا يقف عند حدود تعديل قانوني، بل يفتح الباب واسعًا أمام اختلالات أعمق: إضعاف المؤسسات، تسييس الإدارة، وتغليب الولاءات على الكفاءة، فضلاً عن خلق حالة من الاحتقان السياسي والاجتماعي، فحين تُغيَّر القواعد أثناء اللعبة، يفقد المواطن ثقته في جدوى المشاركة، وتتحول الديمقراطية إلى مجرد واجهة شكلية.
وفي السياق الموريتاني، حيث لا تزال المؤسسات في طور الترسّخ، يصبح الحفاظ على مبدأ تحديد المأموريات ضرورة وطنية لا تحتمل المغامرة، ذلك أن أي تراجع في هذا الاتجاه لن يُفهم إلا بوصفه عودة إلى منطق الهيمنة، مهما كانت المبررات المقدمة.
ولا يقل خطورة عن ذلك ما يترتب على هذا النقاش من إرباك لأولويات العمل العام؛ فبدل توجيه الجهود نحو معالجة الاختلالات البنيوية في التنمية، وتعزيز العدالة المجانية، ينشغل الفاعلون السياسيون بسجالات دستورية تستنزف الوقت وتشتت الانتباه.
وتبرز هنا مفارقة لافتة: ففي الوقت الذي تتطلب فيه المرحلة تعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، يأتي طرح مسألة المأموريات ليعمّق فجوة الشك، ويعيد إلى الواجهة مخاوف قديمة من الالتفاف على المكتسبات الديمقراطية.
إن التحديات الحقيقية التي تواجه البلاد لا يمكن مواجهتها في ظل مناخ سياسي مشحون، ولا في ظل مؤسسات تُضعفها حسابات البقاء في السلطة.
ومن هذا المنطلق، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في البحث عن مبررات لتمديد الحكم، بل في ترسيخ ثقافة التداول، واحترام النصوص الدستورية بروحها قبل حرفيتها، والعمل على بناء مؤسسات قوية قادرة على الاستمرار بمعزل عن الأشخاص.
ختامًا، إن الحفاظ على مبدأ تحديد المأموريات ليس خيارًا سياسيًا ظرفيًا، بل هو اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة بمسار ديمقراطي جاد، وأي مساس بهذا المبدأ ستكون له كلفة باهظة، ليس فقط على مستوى النظام السياسي، بل على ثقة المواطن، وهي الثروة التي لا يمكن تعويضها.