جدول المحتويات
في أوقات السلم والهدوء يلجأ الجمهور عادة إلى استغلال فضاء الشبكة الرقمية كميدان للتسلية والترويح، حيث يستعرض المدونون والسياسيون مهاراتهم في السخرية والنقد والصراخ، ويتآكلون "يأكل بعضهم بعضا"، صراعا على كمية الانتباه المحدودة يوميا لدى الجمهور المحلي على الشبكة.
في خضم هذه المأدبة العشوائية تكون الفريسة الأساسية هي الدولة من جهة، والحكومة من جهة أخرى، أو هما معا، لعدم قدرة الكثيرين على التمييز بينهما.
ذلك أنه بفضل حرية التعبير فإن لكل فرد الحق في انتقاد الدولة وأكل غِيبة وحَضرة الحكومة.
وكما تتناهش ضباع "ناشيونال جيوغرافيك" أشلاء فرائسها في سهول السفانا الإفريقية، تتناهش الأفواه الجائعة إلى التفاعل الاجتماعي عِرض الدولة، ويؤدي كل منهم رقصته المميزة بالشلو الذي انتزعه، وهو يلوح به عاليا، حيث ينثرُ عليه المعجبون تفاعلاتهم كما ينثر الأثرياء المال على الراقصين في الأعراس.
لكن صدمة ضباع الشبكة تتجلى عندما ينقلب كل ذلك فجأة.
في ال 23 مارس المنصرم، وعندما نشر المدير العام للوكالة الموريتانية للأنباء، السيد محمد تقي الله الأدهم، عبر الصفحة الرسمية للوكالة، إعلانا عن مؤتمر صحفي يشارك فيه عدد من أعضاء الحكومة، دخلت الشبكة في حال من الترقب والانتباه، أمام عرض مميز وغير مألوف لفرض السيطرة الإعلامية.
عندها تعرضت ضباع الشبكة لحالة من صدمة العمى المعلوماتي، فَرقتهم بين محاولات التنبؤ الحذر، وحالات الهروب إلى الأمام عبر سخرية جوفاء، بعدما تفككت أدواتهم التقليدية في تضليل الرأي العام، أمام صرامة الخبر الرسمي، الذي أدخل جمهور الشبكة في جو من الجدية، جعل السخرية خارجة عن سياقها، وجارحة للذوق العام.
وفي اللحظة التي اصطف فيها أعضاء الحكومة في قاعة النطق بمباني الوكالة الموريتانية للأنباء في مؤتمر صحفي هام وطارئ، تم فجأة سحب انتباه آلاف المتفرجين نحو البث المباشر على الصفحة الرسمية للوكالة.
لقد سحبت الوكالة في هذه اللحظة أنابيب الأكسجين من أقنعة الأنا المنتفخة لعشرات المدونين، وهي صفعة لا تُنسى بسهولة، وتلقت الوكالة والحكومة معا أصناف الحرب القذرة بسببها!
لم تأت الحكومة للادعاء ولا للتبرير ولا للاعتذار، بل جاءت للتوعية وللمصارحة، لأن التوعية تشيع الفهم، والمصارحة تخلق الثقة وتضع الجميع أمام المسؤولية.
لقد شكل المؤتمر والإجراءات التي أُعلنت من خلاله، توعية حول الواقع، وتهيئة لمستجدات المستقبل.
وأنبأ جو التفاعل الإيجابي الذي سيطر على مناخ الشبكة في الساعات التالية عن مستوى عميق من الجدية والمسؤولية الوطنية لدى الجمهور.
مستوى فاجأ المهرجين الرقميين، والسياسيين الانتهازين.
ولكي نأخذ صورة عن حجم المفاجأة تخيلوا شعور راقص يتوقف في أوج رقصه ليلتفت مِن حوله ولا يرى إلا ظله.. لقد غادر الجمهور حفلته ولا أحد يراه أو يسمعه الآن.
الأذكياء منهم التزموا الصمت مؤقتا، ريثما تهدأ العاصفة ويصبح المزاج العام مناسبا.
أما المصدومون والمبتدئون الانتهازيون فقد ظلوا يرددون الاسطوانة المشروخة ذاتها.
يبخسون، ويتهمون، ويسخرون، ولا يفهمون لماذا لم يعد الجمهور يتلقاهم بتلك الحميمية المعهودة.
ثمة حقيقة موضوعية يغفلها هؤلاء، وهي أن دفق المعلومات في الإعلام الجديد أوسع وأسرع وأثرى من صفحاتهم المتشكلة طبقا لتموج انحناءاتهم النفسية.
وأن المتلقي اليوم مثقف وواع بشكل تلقائي، وبفعل تأثير قوة اللحظة التكنلوجية، لأنه يرى ويسمع عبر سيل الإعلام الجارف كيف فرضت الدول الوازنة حول العالم إجراءاتها، واتخذت احتياطاتها.
ويفهم أن سرعة استجابة الحكومة وتفاعلها مع الوضع واستباقها له، ينبئ عن اليقظة والمسؤولية، ويحسب لها لا عليها!
لقد أثبتت هذه التجربة على المستويين الاجتماعي والإعلامي، أنه في الأزمات واللحظات الحاسمة يرتفع منسوب المسؤولية الجماعية لدى الجمهور، وتخف نبرة السخرية والتهكم التي تسود في فترات الأريحية والهدوء.
كما أثبتت أن قادة الإعلام المخضرمين ممن يمزجون بين تراكم الخبرة وطول التجربة، وحداثة الرؤية، يستطيعون فعلا قلب المعادلة عندما يوضعون في المكان المناسب، وتكون تحت تصرفهم الأدوات والموارد اللازمة.