تخطى الى المحتوى

تباشير "اللابوج" في واحات أطار: حين يعلن النخيل فجر "الكيطنة"

عبد الله محمدن لوبو - باحث في تاريخ الغرب الإسلامي في العصر الوسيط.

جدول المحتويات

ما إن تميد الأرض بوهج "القيظ"، وتنفث ريح "إيريفي" أنفاسها الساخنة في أودية "آدرار" الشماء، حتى تشخص الأبصار نحو هامات النخيل في واحات "أطار" الوارفة؛ لا لترقب السحاب، بل لترصد ميلاد "اللابوج". تلك التباشير الأولى التي تعلن قرب انكسار صولة "البلح" وبزوغ فجر "الرطب"، في مشهد يختزل قصة عشق أزلية بين الإنسان الموريتاني ونخلته الشنقيطية.

 

"اللابوج" هو ميقات النضج وموعد الوصل في العرف الواحاتي؛ فهو ليس مجرد تحول في فيزيولوجيا الثمرة، بل هو "بريد الندى" في هجير الصيف. هو تلك "اللمزة" اللونية التي تطرأ على أعذاق النخيل، فتستحيل الحبة الخضراء عبر طور فيزيولوجي من "تفجنة" إلى "يغنه" فـ"اللابوج" الذي تكتسب الثمرة بعده اللون "آنجاي" ثم تكون عسلا مصفى في جوف قشرة رقيقة. إنه الإعلان الرسمي عن اقتراب موسم "الكيطنة"، ذلك العيد الاجتماعي الذي تلتئم فيه الشقوق، وتجتمع فيه الأسر تحت ظلال "لحمر" و"سلمدينة" و"تجب" و"أدغد" أو "تگادير" و"لمدينة" و"سكاني" و"تنيسرة" و"آمسخصي"...

 

وفي المأثور الشعبي، يُعد ظهور "اللابوج" في واحات "أطار" الرحبة مؤشرا فلكيا لا يخطئ؛ فهو يمنح المزارع مهلة الاستعداد لترميم "المنار" وتجهيز "الظلال". ومن طرائف الوجدان الحساني أن هذا الظهور يبعث في النفس فتوة أدبية، حيث تتبارى الألسن في صياغة "الگيفان" التي تمدح كرم النخلة، وتستحضر ليالي "أتاي" المعتقة بقرع "جركان" وأهازيج الفرح.

 

وبين الاقتصاد والاجتماع، يهز "اللابوج" أركان الأسواق هزا؛ فتشرئب أعناق التجار في العاصمة "نواكشوط" لمقدم القوافل المحملة بالبواكير، ويبدأ "ميزان التمر" في التأرجح استعدادا للتدفق الكبير. واجتماعيا، هو نداء الرحيل من ضجيج المدن إلى سكينة الواحات، حيث "التبراح" بالرطب الجيد، والمسابقات المرحة بين الصبية في التقاط "المنصلة" و"المنقوسة".

 

إن ظهور فجر "اللابوج" اليوم في واحات أطار هو تجديد للعهد مع الأرض، وبرهان على أن هذه الربوع ستبقى مأرزا للكرم ومهدا للحضارة الشنقيطية التي استمدت من النخلة صبرها وعلوها وحلاوة منطقها. فسلام على النخلة يوم "لابوجها"، وسلام على "الكيطانة" وهم يجددون بلقائهم وصل ما انقطع من وشائج القربى تحت أفياء النخيل.

الأحدث