جدول المحتويات
يشكل القطاع الزراعي ركيزة أساسية لتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي في موريتانيا، كما يمثل عنصرا حاسما في دعم الاستقرارين الاقتصادي والاجتماعي. ورغم ما تزخر به البلاد من إمكانات طبيعية، فإنها لا تزال تعتمد بشكل ملحوظ على استيراد المواد الغذائية الأساسية، مثل الأرز والخضروات والفواكه، مما يجعلها عرضة لتقلبات الأسواق العالمية ويحد من قدرتها على التحكم في منظومتها الغذائية.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تبني استراتيجيات وطنية متكاملة تهدف إلى تطوير الإنتاج الزراعي المحلي وتعزيز استدامته. غير أن هذا المسار يواجه جملة من التحديات، من أبرزها ندرة الموارد المائية، وضعف البنية التحتية الزراعية، إضافة إلى محدودية التمويل وهشاشة سلاسل التسويق والتوزيع.
في المقابل، تمتلك موريتانيا إمكانات زراعية واعدة، تشمل الأراضي الخصبة على ضفاف نهر السنغال، والمساحات القابلة للاستصلاح، فضلا عن إمكانية استغلال المناطق الصحراوية باستخدام تقنيات ري حديثة. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج فعلي يتطلب اعتماد مقاربة شاملة ترتكز على الاستثمار في رأس المال البشري، خاصة من خلال تأهيل الشباب وتطوير مهاراتهم في إدارة المشاريع الزراعية.
وفي هذا الإطار، يمكن اقتراح إنشاء وكالة وطنية تحت مسمى "مقاولتي الفلاحية"، تتولى دعم ريادة الأعمال الزراعية لدى الشباب، لا سيما الحاصلين على تكوين أكاديمي. وتعتمد هذه الوكالة على منصة رقمية لتنظيم عمليات الترشح، واختيار المستفيدين وفق معايير شفافة، مع توفير التكوين التقني، والمرافقة الإدارية، والدعم المالي.
ويرتكز هذا النموذج على تشجيع العمل الجماعي، من خلال اشتراط تكوين فرق لا يقل عدد أفرادها عن ثلاثة شباب لكل مشروع، بما يعزز تبادل الخبرات ويرفع فرص النجاح. كما يعكس هذا التوجه انتقالا من نماذج الدعم التقليدية إلى مقاربة قائمة على الإنتاجية وروح المبادرة.
أما على صعيد التمويل، فيمكن اعتماد صيغ متنوعة، تشمل القروض الميسرة أو الشراكات، مع منح فترة إعفاء من السداد خلال السنة الأولى لتسهيل انطلاقة المشاريع. كما يمكن تعزيز التعاون مع صندوق الإيداع والتنمية (CDD) وغيره من المؤسسات المالية، إلى جانب دور مندوبية "تآزر" في تقديم الدعم والمساندة، بما يضمن أثرا إيجابيا ومستداما. وتتابع المشاريع وتقيم على مدى ثلاث سنوات، مع تخصيص جوائز سنوية لأفضل المبادرات لتعزيز التنافس وتشجيع الابتكار.
وتتعدد مجالات الاستثمار الزراعي الممكنة، لتشمل إنتاج الخضروات والفواكه، وتحويل المنتجات الزراعية إلى سلع ذات قيمة مضافة، مثل العصائر والمربيات، إضافة إلى تصنيع الأسمدة العضوية، وتطوير أنشطة التعبئة والتغليف لتحسين التسويق وتعزيز الولوج إلى الأسواق.
ويمثل إدماج التقنيات الزراعية الحديثة عنصرا محوريا في هذا التحول، حيث تسهم أنظمة الري بالتنقيط، والبذور المحسنة المقاومة للجفاف، في رفع الإنتاجية، وتحسين جودة المحاصيل، وترشيد استخدام الموارد المائية. ومن شأن الجمع بين التوسع الجغرافي والتحديث التقني أن يعزز قدرة البلاد على تحقيق الاكتفاء الذاتي بشكل مستدام.
ولا يقتصر أثر هذا التوجه على الجانب الزراعي فحسب، بل يمتد ليشمل خلق فرص عمل للشباب، وتحفيز الاقتصاد المحلي، وتعزيز ثقافة ريادة الأعمال، إلى جانب دعم الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية بما يضمن استمرارية الإنتاج للأجيال القادمة.
وفي المحصلة، فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي في موريتانيا يتطلب الانتقال من مرحلة تشخيص الإمكانات إلى تفعيل السياسات العملية، من خلال دعم المبادرات المبتكرة وتمكين الشباب من أدوات الإنتاج. ويمثل نموذج "مقاولتي الفلاحية" مسارا عمليا واعدا لبناء قطاع زراعي أكثر كفاءة واستدامة، بما يعزز الاستقلال الغذائي ويدعم التنمية الشاملة.