تخطى الى المحتوى
بقلم بابه يعقوب أربيه

جدول المحتويات

نواكشوط، تلك المدينة التي تريدني أن أكرهها…

 

آه أيتها السمراء الكسولة، يا جارة البحر وأخت الرمل، ماذا تريدين الآن؟

 

أتريدين أن أقول فيك ما قيل في المدن التي خذلت أبناءها؟ أم أستعير من الجواهري قوله :

يا دجلةَ الخيرِ: قد هانت مطامحُنا

حتى لأدنى طِماحِ غيرُ مضمون

أتَضمنينَ مَقيلاً لي سَواسِيةً

بين الحشائشِ أو بين الرياحين؟

 

أنا لا أريد أن أعاتبك ولا أن أخاصمك، فقط أريد أن أفهم: لماذا أنا بالذات؟

 

وأنا الذي وُلدت فيك، وعشت في جميع أحيائك تقريبا، ودرست في جامعتك الوحيدة.

 

عشت خريفك دون صرف صحي، وصيفك رغم انقطاع الماء والكهرباء.

 

أعرف بعوضك وشوارعك الخلفية، كما أعرف شوارعك الكبرى.

 

أعرف مطاعمك وصحافتك، وعتاة مجرميك.

 

أعرف تاريخ مجانينك، وأخبار أثريائك: متى يصعدون وكيف يهبطون.

 

أكاد أخمّن الطرق التي يُعيَّن بها بعض الوزراء فيك، وأفهم كيف يفكر بعض رجال أعمالك: كيف يحتكرون، وكيف يتصرفون أحيانا كأصحاب دكاكين صغيرة في سوق ضيق.

 

نواكشوط، لن تستطيعي أن تنكري أنني كنت ذات مساء من السمار أمام دكاكينك، ثم تطورتُ وأصبحت أحد رواد مقاهيـك.

 

تابعتُ تلفزتك منذ أيام "الرحالة الصغير" و"أبي الحروف"، مرورا بحملات الكتاب ومحو الأمية، وصولًا إلى أحاديث العصرنة.

 

اليوم أجدك تتحولين إلى فضاء يكره الأحلام ويستمتع بالكوابيس، أجدك تصطفين غير محايدة بجانب أسعار لا تراعي جيبي، وبطالة لا تكترث لأحلامي، وحظر تجوال يلهو بتقييد حريتي!

 

أتريدين أن أكرهك؟

لا…

فأنا حفيد رجل قال في أرضه:

حبسنا عليها وهي جدب سوامنا

فما صدّنا السعدان عنها ولا صدا

 

لكنني أرفض أن أراك كما أنت الآن.

الأحدث