تخطى الى المحتوى

موريتانيا في قلب القرار المالي الإفريقي والدولي

حنن عبد الله أبو بكر

جدول المحتويات

لم يعد حضور موريتانيا في المؤسسات المالية الدولية حضورا رمزيا، بل أصبح حضورا مؤثرا في صُلب صناعة القرار الاقتصادي. وفي تقديري، فإن هذا التطور لا ينبغي أن يُقرأ فقط كنجاح رمزي، بل كتحول نوعي في موقع موريتانيا داخل دوائر التأثير الاقتصادي ففي لحظة فارقة، يتبوأ اثنان من أبرز كفاءاتنا الوطنية مواقع قيادية في مؤسستين من أهم مؤسسات التمويل والتنمية في العالم: الخبير الدولي الزين ولد زيدان على مستوى صندوق النقد الدولي، والاقتصادي البارز سيدي ولد التاه على رأس البنك الإفريقي للتنمية.

 

ورغم أن المؤسستين تلتقيان في خدمة الاقتصاد، إلا أن لكل منهما دورا متميزا؛ فـصندوق النقد الدولي يُعنى بضبط التوازنات الاقتصادية ومعالجة الأزمات ومواكبة السياسات الكلية، بينما يضطلع البنك الإفريقي للتنمية بتمويل مشاريع التنمية والبنية التحتية. وبذلك يشكل الأول أداة للاستقرار، فيما يمثل الثاني رافعة للاستثمار، وهما معًا ركيزتان في النظام الاقتصادي العالمي وشريكان أساسيان لإفريقيا، غير أن الإشكال في كثير من الدول لا يكون في غياب هذه المؤسسات، بل في ضعف القدرة على التفاعل الاستراتيجي الذكي والسريع مع أدواتها.

 

ويزداد هذا المعطى قوة بالنظر إلى المستوى العلمي والخبرة المتراكمة للرجلين؛ إذ يمثل الزين ولد زيدان نموذج الخبير ذي التكوين الرياضي والاقتصادي الصارم، الحاصل على دكتوراه في الرياضيات التطبيقية وتكوين عالٍ في الاقتصاد الكلي، مع خبرة تفوق عقدين في صنع السياسات الاقتصادية والتعاون الدولي. وقد تعزز هذا المسار بخبرته الوطنية الرفيعة، حيث شغل منصب الوزير الأول، ومحافظ البنك المركزي، ومستشارًا اقتصاديًا لرئيس الجمهورية، إضافة إلى عمله في القطاع البنكي وأستاذًا للرياضيات، ما منحه رؤية متكاملة تجمع بين التحليل الأكاديمي والتطبيق العملي. وداخل صندوق النقد الدولي، راكم تجربة قيادية منذ 2012، شملت مناصب نائب مدير في إدارتي إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، والإشراف على ملفات اقتصادات كبرى، والمساهمة في إصلاح سياسات الإقراض، وتعزيز أدوات دعم الدول في الأزمات، وصياغة سياسات الحوكمة، وهي خبرة تؤهله لقيادة الإدارة الإفريقية التي تعنى بالمشورة والتمويل وتنمية القدرات لدول القارة، وما يلفت في هذا المسار ليس فقط تنوع المناصب، بل القدرة على الجمع بين فهم التفاصيل التقنية وصياغة السياسات الكبرى.

 

في المقابل، يجسد سيدي ولد التاه صورة الاقتصادي الدولي ذي التكوين الأكاديمي الرفيع والخبرة التنفيذية العميقة، مدعومة بمسار وطني مهم، حيث شغل منصب وزير الاقتصاد والمالية ووزير الشؤون الاقتصادية والتنمية، وعمل مستشارًا اقتصاديًا للوزير الأول ومكلفًا بمهمة برئاسة الجمهورية، كما راكم خبرة في مؤسسات وطنية استراتيجية كالبنك الموريتاني للتنمية والتجارة وميناء نواكشوط. وعلى الصعيد الدولي، قاد المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا لعقد كامل محققًا تحولًا نوعيًا في أدائه، وتقلد مناصب قيادية في البنك الإسلامي للتنمية، قبل أن يتوج هذا المسار بانتخابه رئيسًا للبنك الإفريقي للتنمية، بما يعكس ثقة إفريقية ودولية واسعة في كفاءته، وهو ما يضعه ضمن الجيل القليل من الخبراء الذين جمعوا بين الخبرة الوطنية العميقة والحضور الدولي المؤثر.

 

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في مجرد تقلد هذه المناصب، بل في القدرة على تحويلها إلى مكاسب ملموسة للاقتصاد الوطني، عبر توظيف ما يتيحه هذا الحضور النوعي داخل المؤسسات المالية الدولية متعددة الأطراف من فرص استراتيجية، متى ما أُحسن استثمارها بوعي مؤسسي ورؤية عملية.؛ فموريتانيا اليوم أمام نافذة نادرة ينبغي أن تُدار بوعي مؤسسي عبر الانتقال من منطق التهنئة إلى منطق التوظيف الذكي. ويقتضي ذلك من الحكومة إعداد حزمة مشاريع كبرى جاهزة للتمويل، خصوصًا في مجالات الطاقة والبنية التحتية والزراعة، وربطها ببرامج البنك الإفريقي للتنمية، بالتوازي مع تعميق الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الحكامة المالية بما يعزز الثقة مع صندوق النقد الدولي، مع إنشاء جهاز فني متخصص في اقتناص فرص التمويل الدولي، وتطوير آليات التفاوض، واستثمار برامج الدعم الفني لنقل الخبرات وبناء القدرات. فالتجربة أثبتت أن الفرص الدولية تضيع غالبًا ليس لغيابها، بل لغياب الجاهزية المؤسسية لاقتناصها.

 

وفي هذا الإطار، يمكن لموريتانيا أن تستفيد من فهم أدق لآليات هذه المؤسسات، ومن صياغة برامج إصلاح وتمويل أكثر ملاءمة لواقعها، ومن تعزيز موقعها كشريك موثوق، خاصة في ظل التحولات الكبرى المرتبطة بالطاقة والموارد الطبيعية. فوجود الزين ولد زيدان في موقع مؤثر داخل صندوق النقد الدولي، وسيدي ولد التاه على رأس البنك الإفريقي للتنمية، يمنح البلاد فرصة لتكون أكثر قدرة على الاندماج الذكي في منظومة التمويل الدولي، لا عبر الامتياز، بل عبر الكفاءة والاستعداد.

 

إن تعيين الزين ولد زيدان وانتخاب سيدي ولد التاه لا يمثلان مجرد نجاحين فرديين، بل يشكلان لحظة وطنية فارقة وفرصة إفريقية حقيقية، ودليلًا على أن الكفاءة الموريتانية قادرة على بلوغ أعلى مراكز التأثير في الاقتصاد العالمي، متى ما وُجدت إرادة داخلية تحسن استثمار هذه المكانة وتحولها إلى مكاسب تنموية ملموسة.

 

وفي النهاية، فإن قيمة هذه المواقع لا تقاس بمستواها الدولي فقط، بل بقدرتنا نحن على تحويلها إلى أثر داخلي ملموس.

 

هنيئا لهما… وهنيئا لموريتانيا بهذا الحضور النوعي.

الأحدث