تخطى الى المحتوى

اتصال الأزمات في موريتانيا.. بين الفاعلية والتحديات

الباحث: أحمد محمد اللمتوني

جدول المحتويات

يشهد العالم تحولات متسارعة تجعل من الأزمات لحظات اختبار حقيقية لفعالية السياسات العمومية، لا سيما في مجال الاتصال، وفي هذا السياق، لم تقتصر تداعيات الأزمة الأمنية الراهنة في الشرق الأوسط على نطاقها الجغرافي، بل امتدت آثارها إلى دول عديدة، من بينها موريتانيا، التي وجدت نفسها أمام تحدي إدارة انعكاسات خارجية باستخدام أدوات داخلية، يتصدرها الاتصال المؤسسي.

يعد الاتصال في أوقات الأزمات ركيزة أساسية للحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتعزيز ثقة الرأي العام، والحد من تأثير الشائعات والمعلومات المضللة؛ ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة الانتقال من أنماط الاتصال التقليدي إلى اتصال استباقي يقوم على الشفافية والدقة وسرعة نقل المعلومات.

وقد أظهرت المقاربة التي اعتمدتها الحكومة في التعامل مع تداعيات الأزمة وعيا متزايدا بأهمية الاتصال كأداة لإدارة الأزمات، من خلال عقد مؤتمرات صحفية وتقديم إحاطات للرأي العام، غير أن هذا التوجه شابه بعض الاختلالات، من بينها المبالغة في تأطير الأزمة لتسهيل تهيئة الرأي العام لبعض القرارات، فضلا عن عدم ملاءمة توقيت إصدار بعض الرسائل، حيث صدرت قرارات ذات تأثير مباشر على الجمهور في توقيت غير مناسب، مثل إعلان زيادة أسعار المحروقات والغاز المنزلي في أوقات متأخرة، رغم الإعلان المسبق عن مواعيد مختلفة، وهو ما يعد إخلالا بمبدأي التوقعية والموثوقية في أدبيات اتصال الأزمات.

وفي هذا الإطار، تبنّت الحكومة بدرجة معينة استراتيجية الاتصال الاستباقي (Proactive Strategy)، القائمة على التفاعل المبكر مع الرأي العام، وتقديم معطيات أولية حول تطورات الوضع، مع استشراف السيناريوهات المحتملة؛ ويعكس هذا النهج مستوى من الجاهزية، إذ يساهم في تقليص عنصر المفاجأة والحد من انتشار الشائعات، ويساعد الجمهور على استيعاب السياق العام للأحداث.

غير أن تطبيق هذه الاستراتيجية، رغم وجاهته، يواجه تحديات، إذ قد يؤدي التسرع في نشر المعلومات إلى تداول معطيات غير مكتملة أو قابلة للتعديل، مما قد يؤثر سلبا على المصداقية عند مراجعتها لاحقا.

كما أن استشراف السيناريوهات، إذا لم يؤطر بخطاب متوازن، قد يفهم بشكل مبالغ فيه ويثير القلق بدل الطمأنة؛ ومن ثم تظل فعالية هذا النهج رهينة بضبط دقة المعلومات، وحسن توقيت نشرها، وكفاءة إدارة الرسائل الموجهة.

ولا تقتصر فعالية الاتصال في الأزمات على إصدار البيانات الرسمية، بل تستوجب بناء سردية متماسكة توضح الأحداث وتحدد المواقف بدقة، بما يقلص هامش التأويل، كما تتطلب إشراك مختلف الفاعلين، من وسائل الإعلام والخبراء والمؤثرين، في نقل الرسائل بأسلوب مهني ومسؤول.

وفي السياق الموريتاني، يظل تعزيز التنسيق بين الجهات الرسمية وتطوير آليات الرصد الإعلامي من أبرز التحديات، خاصة مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت مصدرا رئيسيا للمعلومة وفي الوقت ذاته فضاء خصبا لانتشار الشائعات.

كما أن إدارة الاتصال في الأزمات تتطلب اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد، تشمل البعد الوقائي عبر التوعية المسبقة، والبعد التفاعلي من خلال الانخراط مع الجمهور، والبعد التقييمي عبر مراجعة الأداء واستخلاص الدروس؛ ومن شأن هذه المقاربة أن تعزز ثقافة مؤسسية قادرة على التعامل مع الأزمات بمرونة وفاعلية.

في المحصلة، تمثل الأزمة الراهنة فرصة لموريتانيا لتعزيز منظومتها الاتصالية، وتطوير استراتيجيات أكثر نجاعة لإدارة الأزمات، فقد أصبح الاتصال عنصرا حاسما لدعم القرار العمومي، وترسيخ الاستقرار، وحماية المصالح الوطنية في عالم يتسم بعدم اليقين وزيادة المخاطر.

الأحدث