جدول المحتويات
تُختبر الحكومات تحديدًا في الأزمات؛ إذ تبرز فيها المفارقة بين حكومة تسير الأزمة وتخفف عبء تداعياتها عن المواطن وعن حركية الاقتصاد الداخلي، وبين حكومة تكتفي بمواكبتها وتمرير كلفتها إلى المواطنين.
ففي الوقت الذي تقدم فيه حكومة "بيدرو سانشيز" في إسبانيا -رغم فوارق المصاف ماليًا واقتصاديًا بين الدول- نجاحًا باهرًا في امتصاص تداعيات الأزمة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، عبر خفض تسعيرة الغاز وتوفير الدعم للمواد الأساسية، واتجهت فيه حكومة "عزيز أخنوش" في المغرب القريب لتقديم دعم مباشر واستثنائي لمهنيي النقل لضمان تموين الأسواق واستقرار الأسعار دون تحميل المواطن المغربي أي زيادات غير محسوبة في النقل والمواد الغذائية اليومية؛ تطالعنا حكومة "ولد اجاي" بقرارات أزّمت الأزمة ومرّرت كلفة التداعيات الجيوسياسية مباشرة إلى جيوب مواطنيها بزيادات في سعر الغاز والبنزين، وتقييد حرية التنقل داخل الفضاءات الحضرية ابتداءً من الساعة صفر.
وللصديين (للقرارين) تداعيات غير محسوبة؛ ففضلًا عن تأثيرهما المباشر على الحياة العادية للمواطن، فإن قرار الزيادة غيّب المعادلة الترابية وحصر التوجهات في أفق مركزي ضيق، فخارج نواكشوط توجد اثنتا عشرة ولاية ستتباين التكلفة على سكانها حسب بعدهم عن المركز؛ فإذا كان سعر قنينة الغاز في العاصمة سيصل إلى 500 أوقية، فإن كلفة النقل ستوصله في مقاطعة "النعمة" إلى 600 أوقية جديدة في أحسن الأحوال.
وبصرف النظر عن جدلية الشرعية الدستورية للقرار المقيد لحرية التنقل، فإنه يفتقد إلى شرعية الأثر الإيجابي؛ فالقرار الإداري اليوم لا يُقاس بمدى مطابقته للقانون فحسب، وإنما بأثره على المواطن أيضًا.
وفي الوقت الذي يتآكل فيه الاقتصاد الدولي في لحظة إقليمية وعالمية مشتعلة، تهدد حكومتنا بهذا القرار شرايين حركية الاقتصاد الداخلي؛ فمن المتوقع أن تختنق كل المقاولات الصغرى والأنشطة التجارية التي تدير عجلاتها في "الساعة صفر" بالذات، والتي ستتضرر اقتصاديًا وتُجبر على التخلي عن بعض عمالها، يُضاف إلى ذلك الزيادات الكبيرة في أسعار النقل داخل المدن وخارجها، ولعلكم طالعتم قصة المواطن الذي سيصرف أكثر من نصف راتبه الشهري للتنقل بين مسكنه في "عرفات" ومكان عمله في "تفرغ زينه"، ومن المنتظر أن تسري نفس الزيادات على كافة المواد الغذائية المستهلكة يوميًا في البيت الموريتاني.
ورغم إيجابية الدعم المالي الذي قدمته الحكومة، سواء لمجتمع "تآزر" أو بالشيكات أو بزيادة الحد الأدنى من الرواتب بمبلغ 500 أوقية جديدة، تبقى هذه الإجراءات محدودة وبلا أثر في ظل الارتفاع المتوقع في أسعار المواد الأساسية، فضلاً عن اقتصارها على فئة واحدة من المواطنين وهم الموظفون العموميون الذين لا يشكلون سوى نسبة 8.4% تقريبًا من عدد العاملين، مما يطرح أكثر من علامة استفهام: ماذا عن السواد الأعظم؟ وعن الأجراء في القطاع الخاص؟
وهنا يتحدد الفرق مرة أخرى بين حكومة تدير الأزمات وتُحسن تسييرها، وأخرى تواكبها وتمرّر كلفتها إلى جيوب مواطنيها المرقعة؛ فأزمة الإدارة الموريتانية ليست أزمة نصوص، وإنما أزمة علاقة بين الإدارة والمواطن؛ فالشرعية الحقيقية لأي حكومة مواطِنة هي شرعية ثالوث: الإنصاف، وإنتاج الأثر، والفاعلية.
نعم، الحرب واقع لا يمكن القفز عليه، ويبقى دور الحكومات في هذه الظرفية هو حماية القدرة الشرائية لمواطنيها من توازنات سوق يُدار لصالح أقلية، ودعم حركية النقل داخل الوسطين الحضري والقروي، وتعويض أضرار المقاولات الصغرى، واستحضار العمق المجالي الموريتاني في توجهاتها الترشيدية؛ فأي قرار اقتصادي أو اجتماعي يغيب عنه منطق العدالة المجالية سرعان ما سيتحول إلى عبء إضافي على المواطنين في الأطراف، يعمق الفوارق ويكرس الإحساس بالغبن.
ولها، إن فعلت، أن تُبقي على رواتبها وامتيازاتها، فقد تبيّنا رشدها وحسن نياتها وقدرتها السريعة على التأزيم من الداخل. وفي النهاية يبقى السؤال الأكثر إزعاجًا: هل نحن أمام عجزٍ في ابتكار الحلول، أم أمام رؤية استراتيجية جادة لتدبير تداعيات الأزمة الشرق أوسطية؟