جدول المحتويات
الأخبار (نواكشوط) - بملامح مرهقة، في أجواء صيفية بحتة، قرب محطات سيارات الأجرة بنواكشوط، وملتقيات الطرق يوجود مواطنون عالقون مؤقتا بفعل تضاعف سعر أجرة سيارات النقل، عقب زيادة أسعار المازوت "الگازوال" بـ10%، والديزل "إصانص": بـ15.3%،
ومع الانتشار المكثف للمواطنين على أطراف الطرق، يُلاحظ خلافٌ محتدم واحتجاجٌ متبادل بين ركاب السيارات وسائقيها، رفضًا للزيادة المضاعفة في الأجرة، فيما يرافع السائقون عن ذلك بحجة ارتفاع أسعار المحروقات.
وزار فريق من وكالة الأخبار المستقلة محطات نقل وملتقيات طرق ليرصد عن قرب آراءهم المتباينة؛ بين داع للالتزام بتوجيهات الحكومة، ومحمِّل لها المسؤولية، والمعبّر عن امتعاضه من سياساتها لا يرى أنها لا تصب في مصلحة البلد وسكانه.

وفي هذا السياق، شدد المواطن محمد ولد صالح في تصريحه على ضرورة الالتزام بإجراءات الحكومة، معتبرا أن الأزمة عالمية، وأن موريتانيا جزء من العالم تتأثر بتقلباته، وأن الضرر لا يطالها بمعزل عن غيرها.
امتعاض بالإجماع
في المقابل، عبّرت تصريحات أخرى عن امتعاض واضح، إذ رأى بعض المتحدثين أن الحكومة تركّز على الجباية ورفع الأسعار، مما "يطحن المواطن، ويهمّشه، ويجعله يعيش غربة في وطنه"، مشيرين إلى"غياب انعكاس ملموس لسياساتها على أرض الواقع".
واتفق المواطن محمد محمد المختار خيار مع هذا الطرح، مؤكدًا أن زيادة أسعار المحروقات تلقي بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية، وعلى رأسها النقل، داعيا الحكومة إلى مزيد من التعاطف مع المواطن، الذي ينتظر إجراءات تخفف عنه بدل إثقال كاهله.
من جهتها، قالت المواطنة موفاتا سيدي إن ارتفاع الأسعار ضاعف كلفة التنقل ذهابا وإيابا، مؤكدة أن استخدام سيارات الأجرة أصبح ضربا من المستحيل، ما اضطر كثيرين إلى اللجوء إلى حافلات النقل العمومي القديمة.

وأضافت موفاتا أن ارتفاع تكاليف التنقل لا يتوقف عند النقل فقط، وإنما يمتد ليؤثر على القدرة الشرائية عمومًا، ويحدّ من اقتناء الضروريات، معتبرة أن ذلك قد يعيد المواطنين إلى وسائل نقل بدائية كالحمير وعرباتها.
وقال الطفل يوسف محمود إنه قدم رفقة صديقه من حي "ملّح" إلى سوق العاصمة المركزي المعروف بـ"كابيتال" لشراء بعض الحاجيات، غير أن ارتفاع تكاليف النقل وحرارة الطقس أثّرا على مهمتهما.
وطالب ولد محمود الرئيس محمد ولد الغزواني بالاطلاع على أوضاع المواطنين عن قرب، والعمل على رفع الضرر عنهم، لأن ظروف أحداث الحرب لا ترتبط مباشرة بالبلد.
فيما امتعض المواطن الحسين محمد يحيى من الوضع، مؤكدًا اضطراره أحيانا إلى قطع مسافات سيرا على الأقدام بدل سيارات الأجرة، متهما السلطات بتقليص عدد حافلات النقل أيضا.
وعبر ولد محمد يحيى عن أمله في مساهمة الحكومة في عودة الأسعار إلى سابق عهدها، نظرا لصعوبة الظرف على الجميع.

مشكلة ملازمة للزيادة
وتحدث المواطن الحسن العتيق عن "معاناة" الناس من رفع أسعار المحروقات، خصوصا سكان نواكشوط المتنقلين بين مقاطعاتها، في ظل تفاوت القدرة على تحمّل تكاليف النقل، وما يرافق ذلك من مضاربات في الأجرة.
وأضاف ولد العتيق أن من أبرز الإشكالات الملازمة لهذه الزيادات زحمة المرور، التي تُضيع على الشخص ساعات زمنية، مشيرًا إلى أن جلّ المواطنين يتجهون صباحا إلى محيط "BMD" قبل أن يتفرقوا نحو أماكن عملهم، ثم يعودون إليه مساء عند نهاية الدوام.
وشدد ولد العتيق على أن ارتفاع الأسعار لو رافقته انسيابية في حركة السير وغياب الازدحام، لكان وقعُه أخفّ، إذ يصل المرء إلى وجهته بسرعة دون عناء أو مشقة، مطالبا بالتراجع عن الزيادات، حتى لا يكون المواطن هو الضحية الأولى.

وتقع الزيادات بعد أن أعلنت وزارة التجهيز والنقل أمس عن اتفاق يبقي أسعار خدمات النقل العمومي للأشخاص على ماكانت عليه، سواء على مستوى النقل الحضري أو البيني، دون أي زيادة، وذلك عقب اجتماع مع الفاعلين في قطاع النقل العمومي.
تبريرات ودعوات استباقية
وقدمت الحكومة تبريرات استباقية عند إعلان الزيادة، إذ قال وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية عبد الله ولد سليمان الشيخ سيديا إن الزيادات جاءت نتيجة ضغوط اقتصادية مرتبطة بالارتفاع العالمي لأسعار الطاقة، مؤكدًا حرص الحكومة على إبقائها في أدنى مستوى ممكن.
كما بدأت الحكومة إجراءاتها "الاستباقية" لمكافحة أزمة المحروقات، بحظر استخدام جميع السيارات رباعية الدفع المملوكة للدولة، باستثناء سيارات الإسعاف، وكذا السيارات الأمنية والعسكرية، وترشيد استخدام الطاقة في المرافق العمومية.
ومن بين إجراءات الدولة المبدئية كذلك ترشيد نفقات الدولة والإنفاق العمومي والحكومي، والبدء في العمل على قانون مالية مُعدّل يأخذ بعين الاعتبار ضرورات المرحلة، وإطلاق حملة حول الموضوع لتمكين المواطنين من الإحساس بخطورة المرحلة وما تقتضيه من مواكبة وتكيّف وتضحية وترشيد.
وبعد ذلك، قررت الحكومة "بشكل تضامني" اتخاذ إجراءات تصدّرها تنازل الرئيس محمد ولد الغزواني عن مبلغ مليون أوقية قديمة من راتبه الشهري، والوزير الأول عن مبلغ 400 ألف أوقية قديمة.
ومن القرارات المذكورة تقليص البعثات الخارجية، والحد من انعقاد الورشات غير الضرورية، ومحاربة تهريب أو إعادة تصدير المواد الأساسية والطاقوية إلى الخارج، وحظر تنقل المركبات وسيارات نقل الأشخاص والبضائع داخل المدن بعد منتصف الليل.