تخطى الى المحتوى

لزوم العقيدة الاستراتيجية للدولة الجزائرية

بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - [email protected]

جدول المحتويات

 

بقلم: عز الدين مصطفى جلولي

مظاهر الخلل في التسيير

تقرأ المواقف الجزائرية في ضوء مرجعية القانون الدولي واتفاقاتها الثنائية وأيديولوجية النظام الحاكم، ذي الميول اليسارية. وفي خضم التناقضات الشديدة في عالم مضطرب جدا تنكفئ الجزائر إلى جحرها ولا تبدي سوى رأسها حتى تنقشع العاصفة. والمشكلة في هذا التوجه السياسي تكمن في أن الجزائر لا تمتلك مرجعية عقدية في السياسة كما هو الحال في إيران؛ إذن لعلمت مواضع قدميها، ولتهيأت لما هو قادم كما تهيأت إيران، لأن الأيام دول، يوم لك ويوم عليك، وهي مرشحة كما تركيا وكوبا وكوريا الشمالية لما هو أسوأ.

 

السلطة في الجزائر تمسك العصا من وسطها، فهي مع إيران باطنا، وتتحدث بلغة القانون الدولي ظاهرا كي لا تغضب الولايات المتحدة وأوروبا. والجزائر مستفيدة جدا من هذه الأزمة، لأن أوروبا لجأت إليها لشراء مزيد من الغاز والبترول، مما يعني مداخيل أكثر، لولا أن السلطة عندنا فاسدة ولا تعطي للشعب حقوقه.

 

ولا كلمة شكر لمن خلق الغاز؟ أي غفلة هذه يا حكام! وماذا لو أراد الله للغاز أن يغور؟ أو أرسل عليه من يفسده؟ ثم ما هي الفائدة التي ستعود على الجزائري وأخويه النيجيريين؟ علما بأن الإدارة عندنا وعند جيراننا الجنوبيين منخطفة إلى خدمة أوروبا وحفظ التوازن به، الذي يعني سلامة الأنظمة الحاكمة من أية مخاطر قد تتهددها من الغرب ومن الشرق؛ وذلكم هو بيت القصيد من هذا المشروع، الذي تسابق دول المنبع والممر الزمن لإنجازه.

 

وماذا عن التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الجزائر بعد الاستقلال؟ ومن يتحمل آثار السماح لها بذلك؟ وماذا عن الضحايا السابقين واللاحقين؟ ولماذا لم تحرك السلطة هذا الملف حتى الآن؟ وما هي مسؤولية فرنسا في التزامها بتطهير الأرض والتعويض عن الضرر؟ وخيرا أراد الله بنا، فالإشعاع عمره طويل، ليثبّت الله به الإجرام الفرنسي فلا يغتر بشعارات المستعمر أحد، وليحفظ الله للناس حقوقهم فلا تطمس الجريمة، ولا تسقط حقوق أصحابها بالتقادم.

 

اجتماع المعنيين بنزاع الصحراء المغاربية في سفارة الولايات المتحدة بمدريد لتفعيل خطة الحكم الذاتي التي أقرها مجلس الأمن تحت الرقم: ٢٧٩٧، والتي تدفع بها الولايات المتحدة كي يسير فيها الجميع رغبا ورهبا لكل من يعارضها من جبهة البوليزاريو والجزائر_ صورة مهينة لكافة هذه الأطراف، التي تنتمي إلى أمة الإسلام ولكنها تأبى الاحتكام إليه. المذل حقا في هذه القصة أن الأطراف كلها لبت الدعوة، وجلست إلى طاولة الحوار في مغالبة بعضها بعضا حينما استعانت بغير المسلم على المسلم، وفي التظاهر المليء بالنفاق حينما هرولت وجلا من صولة الراعي الأمريكي إذا ما غضب وأخذ بسوط العقوبات، وما أكثرها بيده لو أنه يريد!

 

الديانة هي أساس التسيير

تتعامل السلطة الجزائرية مع الإسلام بسوء نية، وتتحسب لفاعليته "السلبية" على طغيانها ولا تستفيد منه لتصلح من شأنها وشأن وطنها. لفت انتباهي تحجج الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله) بمرضه كي يستقيل من وظيفته في جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، وقد وكله الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد ليقوم عليها ويجعل منها أزهرا ثانيا كما كان يكرر الشيخ ذلك في كل مناسبة، وهو صادق في ما نقل، ولكن هل كانت نية الشاذلي وزمرته بعث الوعي الديني حقيقة؟ تاريخ استقالة العلامة الغزالي عقب حوادث الخامس من أكتوبر 1988م يفتح النقاش على خلفيات أخرى أبى الشيخ أن يذكرها في خطاب الاستقالة مركزا على الأسباب الصحية فقط.

 

تاريخ الاستقالة جاء بعد أيام من أحداث الخامس من أكتوبر، حينما تعرى النظام ولم يعد المزاج الشعبي يقبل لغة فيها "الأخ الكبير، الرئيس العظيم". أي أن العلّامة أدرك بأن دوره الدعوي المتصالح مع النظام قد انتهى، ولم تعد له في هذه البلاد سوق. مع لحاظ قناعة لدى بعض العقلاء بأن مشروع السلطة بالشيخ والجامعة مشروع سياسي أريد به سحب البساط من تحت الدعاة المستقلين لإصلاح الحكم بالإسلام، بعدما كسبوا مصداقية عريضة بين الشعب في هذا البلد.

 

أهم ما في تلك الانتخابات التي ألغيت مطلع 1992م أن العالم عرف من هي الجزائر، ولقد ترك القدر للناس تجربة عام من إدارة البلديات شاهدة على نزاهة تاريخية لأهلها المؤمنين، ليعلم الناس بأن حكم الشريعة غنيمة كبرى لا تعطى إلا لمن أناب إلى الله واتقى.

 

إن الدعوة إلى مشروع توافقي لممارسة السلطة اليوم جدلية دونها أخرى قادرة على ابتلاعها كلية. التوافق متاهة حقيقية في مجتمع مسلم نخبه السياسية متعددة المشارب والولاءات. وبدل التركيز على الأطر التي تتراءى لنا أولوية، فإن المجتمع بحاجة إلى طريق مختصر ومضمون يفيد الناس ويحررهم ولو بعد حين. إنه التذكير بالحق الذي أنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم)، وبتاريخ شعبنا المجيد في امتثال أوامر الله تعالى وتعاليم نبيه في كل مجالات الحياة.

 

ربما يكون التوافق حاجيا والتبليغ بأوامر الله ضروريا، التوافق على الضروري أقصد لا توافق على توليفة تجمع الحق والباطل في جراب واحد، وما أكثره في حياتنا العامة والسياسية منها خاصة! فبذلك نضمن سلامة البناء الذي نتوافق عليه، وبه نختصر الطريق أيضا. ولا أعني باختصاره الاستعجال، بل أعني عدم تبديد الجهد في ما ليس أولوية؛ لأن كثيرا ممن بدأ داعية إلى الله انتهي به الحال سياسيا "خالصا". مع لحاظ أن الخطاب الدعوي في عالم السياسة، وهو أولى من غيره في عالم التبليغ عن الله اليوم، لم يأخذ مجراه كما يلزم، ولم يصل إلى الناس بالحكمة والموعظة الحسنة كما يجب، بل إنه لم يكن فعالا غالبا، كتقييم أولي لسعي مطلوب بإلحاح على الدوام لم يستحكم بعد في مجتمعاتنا المسلمة قولا وفعلا. 

 

إذن لترسل الدعوة إلى الله تعالى بمفهومها الشامل والحر كالنهر بين الناس، فأما الزبد فسيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فسيمكث في الأرض. الدعوة التي تبلغ كلمات الله كاملة غير منقوصة، تتعدى بيانا يذاع، أو مداخلة على قناة، أو خاطرة تنشر... إنهم {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ  وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا}.

 

"النهي عن المنكر" عبادة ذات بعد اجتماعي، يحتاج إحياؤها إلى "مفعل" لتعمل عملها، في واقع التواصل فيه بين الراعي والرعية شبه مفقود، حتى بين الرعية نفسها تراه في حدوده الدنيا؛ لذلك فربط الصلة بين هذه المكونات في كيان الدولة الواحدة مرده إلى "أوبة صادقة" إلى الله سبحانه من كل فرد بحسب مسؤوليته، ليلقى على الحاكم وزبانيته منها القسط الأوفر، كون نطاقهم من المسؤولية أشمل وأولى، فهم قد شردوا كثيرا عن وظيفتهم الأساسية في حراسة الدين وسياسة الدنيا به المنوط بهم القيام عليها في أمة قد انتمت نهائيا إلى الإسلام ولا مجال لتبديله؛ ليغدو عملهم التسييري بعيدا عن هذه الوظيفة الإلهية عملا مفسدا، والله لا يصلح عمل المفسدين، كما أخبر بذلك محكم التنزيل. وتبقى مسؤولية المحكومين تبع لذلك في مجملها، ولا تعرى هي أيضا عن المسؤولية، وإن كانت ذات صبغة انفعالية في الغالب الأعم.

 

عمارة المساجد بما فيها من علم وصلاح وصدع بالحق، أما أن يتحول المسجد الأعظم في العاصمة الجزائرية إلى تحفة تنافس في المراتب العالمية، وبينه وبين قضايا الأمة الأساسية جفوة، وخوف، وتلبيس على الناس أمر دينهم حينما يتحول إلى قطعة في جوقة الحكم؛ فما أبعدنا ساعتها عن حفظ الأمانة وصون الوديعة.

الأحدث