تخطى الى المحتوى

بين الثوابت والانفتاح: قراءة في آفاق الحوار الوطني واحتمالات تعثره

الأستاذ / يحي عابدين - كاتب وناشط مهتم بالشّأن العام

جدول المحتويات

في ظل أوضاع إقليمية متوترة، يبرز الحوار الوطني في موريتانيا كخيار استباقي لتعزيز الاستقرار، رغم ما يواجهه من تحديات تتعلق بالقضايا الدستورية الحساسة، وهو ما يجعله اختبارا حقيقيا لقدرة الفاعلين السياسيين على تغليب منطق التوافق على حساب الخلاف.

 

يشكّل الحوار الوطني الجاري محطة سياسية لافتة، ليس فقط من حيث توقيته، بل كذلك من حيث دلالاته العميقة في مسار بناء الدولة وتعزيز الاستقرار. فالدعوة إلى هذا الحوار، رغم غياب أزمة سياسية خانقة بالمعنى التقليدي، تعكس رؤية استباقية تستحق الإشادة، لأنها تنطلق من منطق الوقاية بدل العلاج، وتسعى إلى تحصين المكتسبات بدل انتظار اهتزازها.

 

لقد اختارت السلطة فتح باب النقاش في ظرف يتسم بقدر معتبر من الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهو خيار يُحسب لها، لأنه يعبّر عن إدراك بأن التحديات الكبرى لا تُدار فقط في أوقات الأزمات، بل تُناقش بهدوء في لحظات التوازن. ويكتسب هذا الخيار أهمية مضاعفة في ظل ما يشهده العالم عموما، والمنطقة خصوصا، من توترات واضطرابات، إضافة إلى الأوضاع المقلقة في بعض دول الجوار، وهي كلها عوامل تدعو إلى مزيد من التماسك الداخلي، وتسريع وتيرة التوافق الوطني حول القضايا الجوهرية.

 

وفي هذا السياق، يمكن التنويه بالنهج الذي دأب عليه رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، والقائم على تغليب منطق الوفاق والابتعاد عن التجاذبات السياسية الحادة، وهو توجه أسهم في تهيئة مناخ ملائم للحوار، وأعطى إشارات إيجابية لمختلف الفاعلين بجدية الانفتاح على الجميع دون إقصاء.

 

وفي المقابل، استجابت المعارضة الديمقراطية لهذه الدعوة، في خطوة تعكس قدرا من المسؤولية الوطنية، وحرصا على تلبية نداء المصلحة العامة، حيث قبلت الجلوس إلى طاولة الحوار مع الأغلبية، والانخراط في نقاش هادئ حول الهم الوطني المشترك، وهو ما يعزز فرص الوصول إلى تفاهمات حقيقية إذا ما تم استثمار هذه الفرصة بشكل سليم.

 

غير أن هذا المسار، رغم وجاهته، لم يخلُ من تعثر سريع، خصوصا مع بروز الخلاف حول مسألة المواد المحصنة في الدستور، وفي مقدمتها تلك المتعلقة بتحديد المأموريات الرئاسية. وهنا تتجلى الحاجة إلى تحليل أعمق لمواقف الأطراف المختلفة، لفهم منطلقاتها وحدودها.

 

من جهة الأغلبية، يبدو أن التمسك بشمولية الحوار يعكس رغبة في عدم وضع قيود مسبقة على النقاش، انسجاما مع الشعار المرفوع: "حوار لا يقصي أحدا ولا يستثني موضوعا". هذا الطرح، في ظاهره، يعزز مبدأ الانفتاح، لكنه يثير في الآن ذاته مخاوف مشروعة لدى أطراف أخرى من أن يتحول النقاش إلى مدخل للمساس بثوابت دستورية حساسة.

 

أما المعارضة، فتنطلق من هاجس حماية المكتسبات الديمقراطية، خاصة ما يتعلق بمبدإ التداول السلمي على السلطة. وهي ترى أن بعض القضايا، وإن كانت قابلة للنقاش من حيث المبدأ، ينبغي أن تظل محصنة من أي تأويل قد يفتح الباب أمام تراجع ديمقراطيّ، حتى ولو كان ذلك بحسن نية.

 

وبين هذين الموقفين، تتشكل منطقة رمادية تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة السياسية، حيث لا يمكن إنكار مشروعية القلق من جهة، ولا التقليل من أهمية الشمولية في الحوار من جهة أخرى. وهنا يبرز التحدي الحقيقي: كيف يمكن الجمع بين الانفتاح على النقاش، والحفاظ على ثوابت النظام الدستوري؟

 

إن المقاربة المتوازنة تقتضي التفريق بين "حق النقاش" و"إمكانية التعديل". فليس كل ما يُناقش بالضرورة قابلًا للتغيير، ويمكن للحوار أن يتناول بعض القضايا من زاوية التأكيد والتحصين بدل المراجعة. كما أن بناء الثقة بين الأطراف يظل عنصرا حاسما، لأن غياب الثقة يحوّل أي موضوع، مهما كان بسيطا، إلى مصدر توتر.

 

وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة توجيه بوصلة الحوار نحو القضايا التي تشكل أرضية مشتركة واسعة، والتي لا تقل أهمية عن النقاشات الدستورية، بل ربما تفوقها أثرا على حياة المواطنين. وفي مقدمة هذه القضايا:

- تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ الانسجام الاجتماعي

- معالجة مخلفات الرق معالجة جادة ومنصفة، بما يعزز العدالة الاجتماعية ويطوي صفحة مؤلمة من تاريخ المجتمع

- تحقيق النهوض الاقتصادي وخلق فرص التنمية الشاملة

- تطوير المنظومة الديمقراطية وضمان شفافيتها

- إصلاح الآليات الانتخابية بما يعزز الثقة في المسار الانتخابي

- ترسيخ الحكامة الرشيدة سياسيا واقتصاديا

 

هذه الملفات تمثل جوهر التحديات الحقيقية التي تواجه البلاد، وهي كفيلة، إذا ما تم التوافق بشأنها، بإحداث نقلة نوعية في مسار الدولة.

 

أما فيما يتعلق بمآلات الحوار، فيمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

 

السيناريو الأول: نجاح شامل

وفيه تنجح الأطراف في تجاوز الخلافات، عبر صيغة توافقية تحفظ الثوابت الدستورية وتفتح المجال لإصلاحات جوهرية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهذا السيناريو هو الأكثر إيجابية، لأنه يعزز الثقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والبناء.

 

السيناريو الثاني: نجاح جزئي

حيث يتم الاتفاق على بعض القضايا، خاصة ذات الطابع الفنيّ أو الخدميّ، مع بقاء الخلاف قائما حول الملفات الحساسة. ورغم أنه لا يحقق الطموح الكامل، إلا أنه يظل أفضل من الجمود، لأنه يراكم إنجازات تدريجية.

 

السيناريو الثالث: تعثر أو فشل

وهو السيناريو الذي يتعين تفاديه، لأنه قد يعيد إنتاج حالة الشك بين الأطراف، ويمنح الفرصة للمتربصين بالوطن، سواء في الداخل أو الخارج، لاستغلال الخلافات وتغذيتها، خاصة في ظرف إقليمي ودولي لا يحتمل مزيدا من الهشاشة.

 

وفي ضوء هذه السيناريوهات، تبدو المسؤولية مشتركة بين جميع الفاعلين. وهنا تبرز أهمية أن يولي رئيس الجمهورية عناية خاصة لهذه المبادرة التي أطلقها، وأن يرافقها بإرادة سياسية مستمرة تضمن استمراريتها ونجاحها، حتى تكتمل هذه الدعوة الكريمة وتتحول إلى مخرجات ملموسة يشعر بها المواطن.

 

كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق السلطة وحدها، بل تشمل كذلك مختلف الفاعلين السياسيين والوطنيين. فالمطلوب اليوم من الجميع، موالاة ومعارضة، أن يكونوا في مستوى اللحظة التاريخية، وأن يتحلوا بالصدق مع الشعب، بعيدا عن الحسابات الضيقة والمطامع الشخصية. إن خيانة ثقة المواطنين في مثل هذه اللحظات لا تقتصر على الأفعال الواضحة فحسب، بل قد تتجلى أيضا في التردد، أو الجمود، أو تقديم المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة.

 

ومن هنا، فإن تغليب المصلحة العليا للوطن يقتضي قدرا من المرونة المسؤولة، دون التفريط في الثوابت، والانفتاح على مختلف المطالب المشروعة، مع التحلي في الوقت نفسه بالصرامة والحزم في حماية المكتسبات الدستورية والديمقراطية التي تحققت عبر مسار طويل من التضحيات، والسعي إلى تعزيز الثقة البينية، والبحث عن أفضل المخارج الممكنة بروح وطنية جامعة.

 

إن الرهان الحقيقيّ اليوم ليس فقط في إدارة الاختلاف، بل في تحويله إلى قوة دافعة نحو التوافق. فالدول لا تُبنى بالإجماع المطلق، بل بإدارة ذكية للتنوع، وبإرادة سياسية تضع الوطن فوق كل اعتبار.

 

وفي النهاية، فإن هذا الحوار، بما يحمله من آمال وتحديات، يمثل فرصة ثمينة ينبغي استثمارها بحكمة. فإغلاق الباب أمام الأزمات المستقبلية لا يتم إلا بفتح أبواب النقاش المسؤول اليوم، والتفرغ بعد ذلك لمهمة البناء والنهوض بالدولة، بعيدا عن التجاذب، وقريبًا من تطلعات المواطنين.

 

وفي الختام، يظل هذا الحوار، بما يختزنه من آمال وما يطرحه من تحديات، فرصة ثمينة تستوجب حسن التقدير والتوظيف، وينبغي استثمارها بحكمة. فدرء أزمات الغد يبدأ بمعالجة قضايا اليوم عبر حوار جاد ومسؤول، يفضي إلى تهيئة الظروف للانصراف نحو البناء وتعزيز مسار الدولة، بعيدا عن منطق التجاذبات، وقريبا من انتظارات المواطنين وتطلعاتهم.

الأحدث