جدول المحتويات
عرف الوعي السياسي في موريتانيا تحولات متدرجة لكنها عميقة، انتقل بها من طور الانفعال والتلقي إلى طور التمحيص وبناء المواقف على أسس التجربة والتقدير الموضوعي للوقائع والأحداث. ففي ظل الحزب الواحد الذي حكم مع النشأة وعند التأسيس، حوصر الفعل السياسي في أفق أحادي بالتخلي عن إرهاصات التعددية التي أسس لها الاستعمار، اختزلت فيه الدولة بالسلطة، والسياسة بالولاء، ولم يكن الوعي غائبا بقدر ما كان موجها ومقيدا بسرديات رسمية أحكمت القبضة على التعددية والاختبار الفعلي للبدائل.
ومع ظهور الدولة المدنية الأولى وإرسال البعثات التعليمية، برز الشباب حاملا لواء التحديث، وسعى إلى ترسيخ المواطنة والمؤسسات، غير أن وعيه، رغم حيويته، ظل أسير بنى ذهنية تقليدية منيعة وفي مقدمتها الولاءات القبلية الضيقة، فتأرجحت الممارسة السياسية بين خطاب مدني حديث وسلوك اجتماعي مشدود إلى مراجع ما قبل الدولة، الامر الذي حد من قدرة المشروع على التجذر.
ثم جاءت الانقلابات بعد حرب ضروس، في غير وقتها وبحسابات خاطئة، لتهز اليقين السياسي، ولا لتربك المسار فحسب، بل لتعري هشاشة التحول المدني، وتكشف التناقض بين الشعارات والممارسات. فتراجعت الأيديولوجيات الجامدة من قوميات ضيقة وتحررية مارقة وإسلاموية متنافرة م لصالح براغماتية "قلقلة" و"مرتجلة"، لكن ذلك لم يؤسس لوعي مدني خالص، بل أفسح المجال لعودة الولاءات الضيقة ورجعية، التي وجدت في هشاشة الدولة بيئة مواتية لإعادة الإنتاج. وهكذا، كانت الانقلابات عاملا كاشفا ومعمقا لحدود القطيعة مع البنية القبلية واستمرار الطبقية.
وفي مرحلة الهدوء النسبي، تبلور نضج سياسي أوضح، غذته تراكمات التجربة وخيبات الأمل. فلم يعد المواطن يتلقى الخطاب بوصفه مسلمة، بل صار يميل إلى تفكيكه وربطه بالنتائج الملموسة. وتراجع تأثير الأيديولوجيات الدوغمائية لصالح وعي نقدي أكثر واقعية، يميز بين الممكن والمأمول.
ومع ذلك، لم يحسم هذا النضج مع الموروثات التقليدية، إذ ما تزال التأثيرات القبلية تعرقل اكتمال القوام المدني للسياسة، فالانتقال من العصبية إلى المواطنة لا يزال غير مكتمل على الرغم من الإرادة المعلنة على لسان رئيس الجمهورية والتوجه المتسارع إلى تحرير الفعل السياسي الذي ما زالت تضايقه توازنات اجتماعية تعيد إنتاج نفسها في كل مرحلة.
من هنا تبرز ضرورة قيام الحوار السياسي الشامل والجاد، الذي يجمع الجميع، بصفته المدخل الأساسي لترقية الوعي وترجمته إلى ممارسات مؤسسية راسخة. فالحوار ليس آلية ظرفية لتجاوز الأزمات، بل شرط بنيوي لبناء الثقة وتوحيد قواعد اللعبة السياسية، والاتفاق على ثوابت تؤسس لديمقراطية مستقرة. وإن إشراك الجميع - سلطة ومعارضة، نخبا تقليدية وحديثة، وشبابا فاعلا - يعيد تعريف السياسة فضاء للتوافق لا للتغالب، وللتدبير المشترك لا للاحتكار.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي الذ يرفع في هذه الأيام، لا يكمن في تجاوز آثار الماضي فحسب، بل في استكمال التحول الذهني والمؤسسي نحو المواطنة، عبر ترسيخ ثقافة الحوار والانفتاح. وحينئذ فقط ستتحرر السياسة من ازدواجيتها، وتكتسي ثوبها المدني كاملا، فتترسخ بذلك ديمقراطية فعلية قائمة على المشاركة والثقة واستدامة الاستقرار.