تخطى الى المحتوى

ترشيد الموارد الاقتصادية واجب ديني وضرورة اجتماعية

يحي محمد محفوظ بدى

جدول المحتويات

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

فإن الله جل وعلا خلق عباده وجعلهم محتاجين غاية الاحتياج إلى ما يُقيمون به بنية أجسادهم لتسمر في البقاء ما شاء الله لها، لذلك سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منة منه وفضلا بالإنسان ولطفا به ليكون ذلك في متناوله، كما قال تعالى {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي  ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعࣰا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ} (الجاثية١٣).

 

أصول الاقتصاد في القرآن الكريم والواجب في ذلك:

قد بين الله جل وعلا في القرآن العظيم أصلين كبيرين من أصول الاقتصاد:

 

الأصل الأول: طرق جمع المال: وقد بين الله جل وعلا هذا الأصل في آيات كثيرة من كتابه منها قوله تعالى: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَیِّبَـٰتِ مَا رَزَقۡنَـٰكُمۡ وَٱشۡكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِیَّاهُ تَعۡبُدُونَ} (البقرة١٧٢)، وقوله جل في علاه {فَإِذَا قُضِیَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُوا۟ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِیرࣰا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} (الجمعة١٠). إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.

 

وخلاصة هذا الأصل أن الإنسان يجب عليه أن يحصل المال بالطرق المشروعة، ويبتعد عن الطرق المحرمة شرعا.

 

الأصل الثاني: طرق تسييره: وقد بين جل وعلا هذا الأصل أحسن بيان في مواضع من كتابه منها: {وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِیرًا إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِینَ كَانُوۤا۟ إِخۡوَ ٰ⁠نَ ٱلشَّیَـٰطِینِۖ وَكَانَ ٱلشَّیۡطَـٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورࣰا} (الإسراء: 26 - 27).

 

وقوله تبارك وتعالى: {یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَیَأۡكُلُونَ أَمۡوَ ٰ⁠لَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَـٰطِلِ وَیَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِینَ یَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا یُنفِقُونَهَا فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِیمࣲ} (التوبة: ٣٤)، وقوله تعالى: {وَٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَنفَقُوا۟ لَمۡ یُسۡرِفُوا۟ وَلَمۡ یَقۡتُرُوا۟ وَكَانَ بَیۡنَ ذَ ٰ⁠لِكَ قَوَامࣰا} (الفرقان: ٦٧) إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.

 

وخلاصة هذا الأصل أن الإنسان مسؤول عن تصرفاته المالية لذلك يجب عليه صرف المال بالطرق التي أمره الشرع بها.

 

وقد حرم الله جل وعلا الإسراف (وهو الزيادة على الكفاية في الإنفاق والأكل والشرب...)، كما قال تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِیۤ أَنشَأَ جَنَّـٰتࣲ مَّعۡرُوشَـٰتࣲ وَغَیۡرَ مَعۡرُوشَـٰتࣲ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّیۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَـٰبِهࣰا وَغَیۡرَ مُتَشَـٰبِهࣲۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦۤ إِذَاۤ أَثۡمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ یَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ} (الأنعام: ١٤١).

 

وقال جل من قائل: {یَـٰبَنِیۤ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِینَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ} (الأعراف: ٣١).

 

بل إن الله جل وعلا مدح عباده الأبرار بأنهم لم يقصروا إذا أنفقوا ولم يسرفوا أي يتجاوزوا الحدود فهم وسط بين هذا وذاك حيث قال جل في علاه: {وَٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَنفَقُوا۟ لَمۡ یُسۡرِفُوا۟ وَلَمۡ یَقۡتُرُوا۟ وَكَانَ بَیۡنَ ذَ ٰ⁠لِكَ قَوَامࣰا} (الفرقان: ٦٧)

 

هذه الآيات وما في معناها تدل على وجوب ترشيد الموارد الاقتصادية، ويستوي فيها الفرد والمجتمع فالخطاب للجميع.

 

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في عدد من الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرج الترمذي في سننه من حديث أبي بَرْزةَ الأسلَميِّ قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسأَلَ عن عُمرِه فيما أفناه، وعن عِلمِه فيمَ فَعَل، وعن مالِه مِن أين اكتَسَبه وفيمَ أنفَقَه، وعن جِسمِه فيمَ أبلاهـ).

 

هذا الحديث يدل على حرمة تبذير المال وأن صاحبه سيتعرض للمساءلة يوم القيامة.

 

مراعاة القواعد الاجتماعية في التصرفات المالية:

ولما كان الإنسان اجتماعيا بطبعه كان لزاما عليه أن يراعى أحوال وظروف المجتمع المختلفة من حوله، لاسيما في عصرنا الحاضر الذي أصبح العالم كله قرية واحدة، ويتعلق الأمر بالظروف الحالية الحرجة التي يمر بها العالم بسبب الحرب الموجودة في الشرق الأوسط، وهذه الحرب لها انعكاسات اقتصادية كبيرة سلبية في أغلب دول العالم ولاسيما الدول غير المنتجة مثل بلدنا (موريتانيا)، لذلك ينبغي لمجتمعنا كل من موقعه وكافة مواطنينا أن يتفهموا الوضعية الدولية الحالية وأن يواجهوا ذلك بالأمرين التاليين:

-        الدعاء إلى الله عز وجل والتضرع إليه بكشف الكروب وتفريج الأمور

-        أن يجتهدوا في ترشيد الموارد الاقتصادية الخاصة والعامة.

 

لأن ذلك يقتضيه الظرف الحالي، وهو مما أذن فيه الدين الإسلامي، ويتماشى مع الأعراف والقوانين الدولية المعمول بها.

 

إذا، ختاما يجب على المسلم فردا كان، أو مجتمعا، أو مؤسسات أن يمتثل كل بحسبه أوامر الله جل وعلا وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم في طرق تحصيل وجمع الموارد الاقتصادية وطرق تسييرها وتوزيعها، وأن يجتنب ما نهى الشارع عنه في ذلك، لأن ذلك هو السبيل الوحيد للرقي والازهار والرفاه المشترك والأمن الغذائي، وبالتالي فإن ترشيد الموارد الاقتصادية واجب ديني، وضورة اجتماعية، مسؤول عنها الجميع.

الأحدث