جدول المحتويات
لا يمكن قراءة التصريحات الأخيرة للمفكر الاقتصادي الأمريكي "جيفري ساكس" حول "خجل" النخبة من تدني مستوى الحكم، أو تحليل مجلة "فورين بوليسي" حول تحول واشنطن إلى "قوة افتراسية"، كأحداث عابرة في سياق التجاذب السياسي اليومي. إننا أمام شهادة نقدية من داخل البيت الأمريكي تعلن نهاية مرحلة "الليبرالية الدولية" وبداية عصر "العدمية الإمبراطورية"؛ حيث تفقد القوة العظمى مبررات وجودها الأخلاقي - باصطلاح الغرب - وتتحول من "ضابط إيقاع" للنظام العالمي إلى مصدر تهديد لاستقراره.
يضعنا هذا المشهد أمام إشكالية مركزية: هل تعاني الولايات المتحدة من أزمة عارضة في "كفاءة القيادة" (الخرف والغباء السياسي كما وصفه ساكس)؟ أم أننا أمام تحول بنيوي في طبيعة القوة الأمريكية التي انتقلت من "الهيمنة الناعمة" القائمة على تقديم حلول عالمية - بمنطق القطب المهيمن - إلى "الافتراس الفج" القائم على استغلال النفوذ المتراكم لتدمير الخصوم وابتزاز الحلفاء؟ وكيف تنعكس هذه التحولات على مستقبل الحضارة الإنسانية في ظل غياب "السيادة الذاتية" للقوة التي كانت تدعي العظمة؟
تحليلا لصرخة الخجل التي أطلقها البروفيسور الأمريكي الشهير جيفري ساكس نستخلص النقاط الآتية:
1. "خرف القيادة" وتآكل العصبية المؤسساتية:
تاريخياً، قامت الحضارات الكبرى (كالحضارة الرومانية في أواخر عهدها) حين بدأ "الوهن" يتسرب إلى رأس الهرم السياسي نتيجة انفصال النخبة عن الواقع. ما وصفه "ساكس" بـ"تدني مستوى الحكم" هو النتيجة الحتمية لتحول السياسة الأمريكية من "فعل استراتيجي" رصين إلى "استعراض انتخابي" تسيطر عليه جماعات الضغط (اللوبيات اليهودية أو غيرها). يرجعنا هذا لنظرية الدولة في الفكر الخلدوني، حيث تمر الدولة بمرحلة "الإسراف والتبذير" وفقدان "العصبية" أو الرؤية الجامعة؛ وهذا ما نلمسه اليوم في قيادات تفتقر للحكمة التاريخية الضرورية لإدارة كوكب مثقل بالأزمات، مما جعل قرارات واشنطن تتسم بالتخبط الذي يدفع ثمنه العالم بأسره.
2. من "مشروع مارشال" إلى "الافتراس الاقتصادي":
تعكس تحليلات "فورين بوليسي" انقلابا جذريا في السلوك الحضاري الأمريكي. فبينما قدمت أمريكا عام 1948 "مشروع مارشال" لإعادة إعمار أوروبا كأداة للهيمنة القائمة على التنمية، نجدها اليوم تستخدم "سلاح العقوبات" و"دولرة التجارة" لابتزاز الحلفاء قبل الخصوم. هذا "السلوك الافتراسي" هو عرض لضعف المنافسة؛ فبدلا من الابتكار، تلجأ القوة المهيمنة إلى "السطو المالي" لتعويض تراجع إنتاجيتها الحقيقية أمام القوى الصاعدة في الشرق، مما يذكرنا بـ"عقلية الغنيمة" التي تظهر لدى الإمبراطوريات حين تشعر بدنو أجل تفوقها المطلق.
3. المسؤولية التاريخية و"ثمن الخجل":
سؤال ساكس: "ما ذنب البشرية؟" هو سؤال أخلاقي يضع الحضارة الغربية أمام المرآة. إن الحقائق الحضارية تؤكد أن الحضارات التي تركت إرثا مستداما كانت تعتمد على "طرق التجارة" و"التثاقف" بقدر اعتمادها على القوة. أما النموذج الأمريكي الحالي، فيبدو أنه يتبنى "عقيدة الأرض المحروقة"؛ فإما قيادة مطلقة أو فوضى شاملة، مما أدى إلى تدمير مفهوم "الأمن الجماعي" وانهيار الاتفاقيات الدولية التي كانت واشنطن هي الضامن الأول لها.
كلها أمور تجعلنا نتجه لختم المقال بالنظر نحو "تعددية السيادة" وانبعاث الأقطاب الصاعدة.
إن صرخة "الخجل" التي أطلقها جيفري ساكس ليست مجرد نقد ذاتي، بل هي إعلان عن انتهاء صلاحية "المركزية الغربية" بصيغتها المتوحشة. فالتاريخ لا يعرف الفراغ، والحقيقة الحضارية تؤكد أن "الافتراس" هو المرحلة التي تسبق مباشرة ظهور قوى "المقاومة والبناء".
اليوم، نشهد ولادة عالم لا ينتظر إذنا من واشنطن؛ حيث بدأت القوى الإقليمية والناشئة - من شرق آسيا إلى العالم العربي وإفريقيا - في صياغة "عقد دولي جديد" يعتمد على تعددية الأقطاب السيادية. ولم يعد الرهان على إصلاح "العقل السياسي" في واشنطن، بل على قدرة هذه القوى الصاعدة على بناء تحالفات اقتصادية وأمنية موازية تكسر احتكار "السلوك الافتراسي" للنظام المالي العالمي، لتبدأ البشرية تاريخا جديدا يتحرر من "رهينة القطب الواحد" إلى فضاء أرحب من الاحترام الحضاري والمصالح المتبادلة.
حقائق تتشقق لها الجبال الجلامد، فهل تعود مياه نهر الإسلام لمجراها؟ وهل يفيض سيل الفتح من جديد وتعود بوصلة أمراء الخليج للصواب؟ أم سيضرب على آذانهم في كهفهم قرونا آخرين..؟