تخطى الى المحتوى

قراءة سريعة في فقرة موريتانيا من مؤشر التحول (BTI) 2026.. استقرار "الواجهة" وصدمة الأرقام

د. محمد يحي الشريف أحمد - دكتوراه في الاقتصاد المقارن.

جدول المحتويات

لم يكن تقرير مؤشر التحول لعام (BTI) 2026 الصادر عن مؤسسة "بيرتلسمان" الألمانية، وهي مؤسسة مستقلة غير ربحية متخصصة في قضايا الإصلاح والحوكمة، لم يكن مجرد رصدٍ لبيانات جافة، بل جاء كمرآة كاشفة للتناقض الصارخ الذي تعيشه موريتانيا؛ فبينما يصفق المجتمع الدولي لـ"واحة الهدوء" التي تمثلها البلاد في إقليم الساحل المشتعل، تكشف التفاصيل البنيوية عن اقتصادٍ "انتقائي" يحابي النخبة، ونظام حوكمة يعاني من شللٍ في أدوات الرقابة والمساءلة.

 

1.  المفارقة الاقتصادية: نمو الأرقام وعجز الاحتواء:

تستهل القراءة التفصيلية لمؤشر التحول برصد الحالة المالية لعام 2025، حيث استقر السياسي بعد استحقاقين انتخابيين أحدهما رئاسي، كرسا هيمنة النظام والحزب الحاكم على مختلف المخرجات الانتخابية، غير أن ما يهمنا في هذه العجالة هو الجانب الاقتصادي الذي سنقتصر عليه، باعتبار أنه يوجد من هو أفضل منا لتحليل واستنطاق ما جاء في التقرير عن الجانب السياسي.

 

جدير بالذكر أن معدل النمو لسنة 2025 بلغ حوالي 4.1%.  حسب الأرقام الرسمية، ورغم أن هذا الرقم يوحي بالصمود، إلا أنه يحمل في طياته "خيبة أمل" اقتصادية؛ إذ يقل بنحو نقطتين مئويتين عن أداء عام 2024. هذا التباطؤ ليس مجرد عارضٍ عابر، بل هو نتيجة مباشرة لسوء التخطيط وارتهان الثروة للقطاعات الاستخراجية، وسط تعثرٍ مريب في جني الثمار الحقيقية لاكتشافات الغاز، والتي يبدو أن "سوء التدبير" قد جعل عوائدها تسلك مسارات مظلمة وبعيدة عن الخزينة العامة.

 

2.  ثنائية الرفاه الزائف وارتفاع مدركات الفساد:

يتجلى العجز المؤسسي الذي أبرزه التقرير في تدني مرتبة موريتانيا على مؤشر مدركات الفساد لـ30/100. هذا الرقم يترجم واقعاً يراه الموريتانيون يومياً؛ ويفهمون سببه، حيث نشأت طبقة "مخملية" في أحياء "تفرغ زينه" الراقية تتجول بأحدث السيارات العالمية، تُبذّرُ ثرواتٍ طائلة تشكلت في معظمها من صفقات التراضي والمحسوبية. وفي المقابل، تئن هذه الشوارع التي تدوسها هذه المركبات الغالية الثمين تحت وطأة التقعر والتهالك، في دليل دامغ على غياب الرقابة؛ إذ لم تُسجل حالة واحدة لمعاقبة شركة على "الغش" في تنفيذ المشاريع العمومية أو الإخلال بدفاتر الالتزامات، مما كرس شعوراً بأن الصفقات هي "غنائم" تُوزع وليست خدمات تُنفذ.

 

3.  الرقابة المشلولة وسياسة "الإفلات من العقاب"

يفصل التقرير في جانب ضعف الرقابة وعدم نجاعة الاصلاحات، ويعرف الجميع في موريتانيا أن سياسة "الإفلات من العقاب" شكلت ركيزة معلومة لتعامل النظام مع الفساد الإداري والمالي، فرغم النصوص القانونية الملزمة بنشر التقارير السنوية لمختلف هيئات التفتيش، إلا أن "السرية" تظل هي الأصل، وآخر مثال على ذلك "تقرير محكمة الحسابات" اليتيم لعام 2021 - 2022، الذي ظل صرخة في واد؛ فلا سجون فُتحت لناهبي المال العام، ولا أموالاً استعيدت لصالح الخزينة العامة، بل إن المشهد يزداد قتامة بظاهرة "إعادة تدوير المفسدين" التي أصبحت تكاد تتجدد كل أربعاء مع اجتماعات مجلس الوزراء؛ حيث يُكافأ من تورطوا في تبديد ميزانيات مشاريع فاشلة بتعيينات جديدة، مما أدى إلى تآكل الثقة في أي إصلاح هيكلي.

 

4.  الفقر متعدد الأبعاد: القنبلة الموقوتة:

بعيداً عن أضواء العاصمة، تظهر موريتانيا الأخرى التي رصدها المؤشر؛ حيث يطال الفقر متعدد الأبعاد 58% من السكان. إنها موريتانيا التي يفتقر فيها 77% من سكان الأرياف للماء والكهرباء. هذا الحرمان ليس مجرد نقص موارد، بل هو "إقصاء بنيوي" يغذي الاحتقان بين فئة الشباب التي تمثل أكثر 60% من السكان، هؤلاء الشباب، الذين بلغت البطالة في صفوفهم 23% حسب التقارير الرسمية (مع أن المعدل الحقيقي يرجح أن يكون أكثر بكثير من ذلك) لم يجدوا أمام "جدار المحسوبية" سوى "جدار المكسيك"، في هجرة جماعية تستنزف عصب البلاد.

 

5.  مقارنة الجوار: أين ضلت موريتانيا الطريق؟

عند وضع التجربة الموريتانية في ميزان المقارنة مع المغرب أو السنغال، تظهر الفجوة بوضوح. فبينما نجح المغرب في خفض معدلات الفقر إلى 9.8% عبر استراتيجيات صناعية ورقابة صارمة، استطاعت السنغال الحفاظ على فاعلية مؤسسات الرقابة بمؤشر شفافية (43/100). أما موريتانيا، فتظل حبيسة نموذج يثري القلة ويسبب تآكل الطبقة المتوسطة والنزول بها إلى الحضيض الاقتصادي للطبقة السفلى، مع غياب الرؤية الاستراتيجية لتنويع الاقتصاد وتوزيع الثروة بعدالة.

 

خاتمة: الاستقرار الذي لا يطعم خبزاً

تخلص هذه القراءة إلى نتيجة حتمية: إن استقرار موريتانيا الحالي هو "استقرار قلق" نخشى أن يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة، أو السكون الذي يسبق الانفجار، فالديمقراطية التي تكرس الهيمنة السياسية، والاقتصاد الذي يغذي الزبونية، لا يمكنهما الصمود طويلاً أمام استحقاقات العدالة الاجتماعية. إن التحول الحقيقي يبدأ من كسر "حلقة الإفلات من العقاب"، وتحويل عوائد البحر والمعادن والغاز من جيوب المتنفذين إلى مشاريع البنية التحتية التي تخدم المواطن في أقصى نقاط البلاد، فالبدارَ البِدار.

 

ألا هل بلغت... اللهم فاشهد.

الأحدث