تخطى الى المحتوى

إغلاق مضيق هرمز بين منطق القانون الدولي وتشخيص الاقتصاد السياسي: قراءة في التداعيات وخيارات موريتانيا

آب الشيخ محمد فاضل - مستشار سابق في الهيئة الدولية للتحكيم التجاري الدولي

جدول المحتويات

يشكّل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ليس فقط من زاوية تدفق الطاقة، بل باعتباره ركيزة من ركائز استقرار النظام الاقتصادي الدولي. ومن ثمّ، فإن أي سيناريو لإغلاقه يطرح إشكالات مركبة، تتقاطع فيها قواعد القانون الدولي مع حسابات الاقتصاد السياسي، وتنعكس آثارها بشكل مباشر على الدول، ومن هذه الاشكالات.

 

أولًا: الإطار القانوني الدولي وإشكالية إغلاق المضيق

يخضع المرور عبر المضايق الدولية لمبادئ راسخة في القانون الدولي، وعلى رأسها مبدأ حرية الملاحة، الذي كرسه العرف الدولي واتفاقيات البحار. وعليه، فإن أي تعطيل لحركة العبور في مضيق دولي يمثل من حيث الأصل:

-       انتهاكًا لقاعدة دولية آمرة،

-       تهديدًا للسلم والأمن الدوليين،

-       مبررًا لتدخلات دولية تحت غطاء حماية الممرات الحيوية.

 

وفي هذا السياق، تتقاطع مصالح قوى كبرى مثل الصين واليابان والهند وباكستان وكوريا الجنوبية وبعض دول الخليج ودول أوربية أخرى...، وتبرز مقاربة كل بلد وفقا لمفهومه للشرعية الدولية وحماية المصالح الحيوية.

 

غير أن الإشكال القانوني لا ينفصل عن الواقع السياسي؛ إذ غالبًا ما تُؤوَّل قواعد القانون الدولي في ضوء موازين القوة، مما يجعل من المضيق ساحةً لتجاذب بين الشرعية القانونية والشرعية الواقعية.

 

ومما لا شك فيه أن الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران ستخلق حتميا وضعا قانونيا جديدا لهذا الممر البحري الحيوي.

 

ثانيًا: التشخيص الاقتصادي للأزمة

فمن منظور الاقتصاد الكلي، يؤدي إغلاق المضيق إلى ثلاث صدمات متزامنة:

-       صدمة عرض طاقوي: نتيجة تعطل تدفق النفط والغاز، خاصة نحو اقتصادات تعتمد بشدة على الواردات،

-       صدمة أسعار عالمية: حيث يؤدي انخفاض العرض إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما ينعكس على تكاليف الإنتاج، وأسعار النقل، ومعدلات التضخم.

-       صدمة سلاسل الإمداد: نتيجة اضطراب حركة التجارة الدولية، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن.

 

وفي المقابل، تستفيد بعض الدول المنتجة خارج نطاق الخليج، من ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على بدائل الطاقة.

 

ثالثًا: إفريقيا بين الفرصة والمخاطر

حيث ستجد القارة الإفريقية نفسها في موقع مزدوج: فمن جهة أولى فتح فرص ارتفاع العوائد الطاقوية، وتعزيز الجاذبية الاستثمارية، وإعادة إدماجها في سلاسل الطاقة العالمية.

 

ومن جهة ثانية ظهور مخاطر جمة مثل تضخم مستورد، وهشاشة مالية في الدول غير المنتجة، وضغط على الأمن الغذائي.

 

وهو ما يفرض ضرورة اعتماد سياسات استباقية توازن بين تعظيم المكاسب وتقليص الأضرار.

 

رابعًا: موريتانيا في قلب التحول:

حيث إن الأزمة تمثل لحظة اختبار حقيقية لقدرتها على التحول من اقتصاد هامشي إلى آخر فاعل صاعد. طالما دعونا إلى بنائه على خيار استراتيجي قوامه التأثير المباشر على أسواق الدول الإفريقية جنوب الصحراء وليس مجرد القدرة على تموين السوق المحلي عدة أسابيع...

 

ولعل ما نشير به الآن هو استغلال الفرص ورفع التحديات:

1.  على مستوى الفرص:

-       بروز مشاريع الغاز الخاصة بنا أو المشتركة مع السنغال كبديل جزئي للأسواق الأوروبية،

-       إمكانية التموضع كممر لوجستي أطلسي خارج مناطق التوتر،

-       وبعد ذلك جذب الاستثمارات الباحثة عن بيئات مستقرة.

 

2.  على مستوى التحديات:

-       ارتفاع كلفة المعيشة،

-       وضعف استغلال التنوع الاقتصادي،

-       وحساسية الميزان التجاري وعدم استشرافه للصدمات الخارجية.

 

خامسًا: نحو مقاربة وطنية متكاملة

إن التعامل مع هذه التحولات يقتضي وجوبا اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد:

      قانونيًا: تعزيز الحضور في النقاشات الدولية المرتبطة بأمن الممرات البحرية، والدفاع عن مبدأ حرية الملاحة ونبذ ورفض الحروب العشوائية التي أصبحت تهدد بالقرآن وتفكر المنظمات الدولية.

 

-       اقتصاديًا: تسريع استغلال الموارد الغازية، وبناء سياسات حمائية موجهة للفئات الهشة. وعندنا في موريتانيا تدخل الطبقة الوسطى في هذا المفهوم.

 

-       استراتيجيًا: تنويع الشراكات الدولية، والحفاظ على توازن دقيق بين القوى الكبرى، خاصة الصين التي نمتلك معها علاقات استراتيجية.

 

-       لوجستيًا: تطوير البنية التحتية الساحلية، وتحويل البلاد إلى منصة عبور إقليمية من خلال تعزيز وتوسيع ميناء انجاكو، وميناء الصداقة، وميناء تانيت، وميناء نواذيبو المستقل، وتطوير الموانئ الجوية والبرية.

 

خاتمة

إن إغلاق مضيق هرمز لا يمثل مجرد أزمة طارئة، بل يعكس تحولًا عميقًا في بنية النظام الدولي، حيث تتداخل قواعد القانون مع حسابات القوة، وتتقاطع اعتبارات الاقتصاد مع رهانات الجغرافيا السياسية.

 

وفي هذا السياق، يبرز أمامنا خيار استراتيجي حاسم: إما الاكتفاء بردّ الفعل، أو الانتقال إلى موقع الفاعل القادر على توظيف التحولات العالمية لخدمة مصالحه الوطنية.

 

حرر في نواكشوط، بتاريخ: 26 مارس 2026

الأحدث