تخطى الى المحتوى

السياحة الثقافية والبيئية في موريتانيا: طريق نحو تنمية مستدامة

سيد محمد ولد أب زيدان

جدول المحتويات

يعد قطاع السياحة أحد أهم القطاعات الاقتصادية على المستوى العالمي، لما يوفره من فرص للتنمية وخلق الوظائف وتنشيط الاقتصاد المحلي. غير أن بناء سياسة سياحية ناجحة في موريتانيا يستلزم مراعاة الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع، والبحث عن نموذج تنموي متوازن بين الانفتاح الاقتصادي والحفاظ على القيم الأصيلة.

 

يطرح التنافس في نماذج السياحة الاستجمامية تحديات حقيقية أمام المجتمعات المحافظة، خاصة عندما تعتمد هذه النماذج على أنماط استهلاكية وخدمات قد لا تنسجم مع القيم الثقافية والدينية المحلية. لذلك، قد يكون من الأجدر بموريتانيا تطوير نموذج سياحي خاص بها، يعتمد على استثمار عناصر قوتها الحضارية والبيئية. هذا أفضل من محاولة تقليد نماذج سياحية لا تتوافق بالكامل مع خصوصيتها المجتمعية.

 

في هذا الإطار، تبرز السياحة الثقافية والعلمية كأحد المسارات الواعدة. فقد عرفت موريتانيا تاريخيا بدورها العلمي في العالم الإسلامي، من خلال المحاظر التي شكلت مراكز إشعاع معرفي في علوم القرآن والفقه واللغة العربية. ويمكن اليوم تطوير هذه المحاظر لتصبح مراكز تعليمية أكاديمية حديثة، تجمع بين الأصالة والحداثة. ويشمل ذلك توفير مرافق مناسبة للإقامة والدراسة والبحث العلمي. مثل هذا النموذج قد يساهم في استقطاب طلاب العلم والباحثين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، مما يعزز مكانة موريتانيا العلمية والثقافية ويخلق في الوقت نفسه نشاطا اقتصاديا محليا.

 

كما يمكن تعزيز هذا التوجه من خلال إنشاء محاظر دولية في المدن التاريخية، في إطار رؤية متكاملة لإحياء التراث ودعم السياحة الثقافية المستدامة. يمكن تصميم هذه المحاظر كمركبات تعليمية حديثة، تراعي الطابع المعماري التقليدي، وتوفر البنية التحتية الضرورية للطلاب والزوار. وقد يشكل التعاون مع بعض الدول الإسلامية الداعمة للتعليم الشرعي فرصة لتمويل هذه المشاريع ذات البعد الحضاري والعلمي.

 

وفي سياق تنظيم السياحة الثقافية بصورة أكثر احترافية، يمكن التفكير في إنشاء مسارات سياحية معرفية تربط أهم المراكز التاريخية والعلمية في البلاد. ومن الأمثلة على ذلك: طريق المدن التاريخية الذي يربط بين ولاته، تيشيت، شنقيط، ووادان، وطريق المخطوطات والمحاظر الذي يسمح للزائر بالتعرف على التراث العلمي المخطوط وتقاليد التعليم المحظري. كما يمكن استلهام تاريخ القوافل الصحراوية من خلال إنشاء طريق القوافل الصحراوية، الذي يعيد إحياء الذاكرة التجارية والثقافية للصحراء الكبرى. تمنح هذه المسارات الزائر تجربة ثقافية متكاملة تجمع بين المعرفة التاريخية والبعد الحضاري للمنطقة.

 

بالنسبة للعاصمة نواكشوط، يمكن النظر في نقل المتحف الوطني والمكتبة الوطنية من موقعهما الحالي المكتظ إلى موقع استراتيجي في تفرغ زينه، حيث يمكن إنشاء مقر يجمع بين ساحة خضراء مزينة بعناصر تراثية مثل منارات مساجد المدن التاريخية. هذا التصميم سيتيح للعائلات وطلاب المدارس زيارة هذه المنشآت في مناخ جذاب، ويعزز تدفق الزوار من داخل وخارج البلاد.

 

أما المواقع القديمة، فيمكن تحويلها إلى مراكز للتكوين المهني لخدمة الرأسمال البشري. ومن الضروري أن يراعى في تصميم هذه المنشآت الابتعاد عن القرارات الفردية. ويتعن بهذا الخصوص، اختيار الطابع المعماري ضمن لجنة مدنية مختصة، بالتعاون مع استشاريين دوليين، لاختيار تصاميم إبداعية وجاذبة تتزايد قيمتها مع مرور الزمن، كما هو الحال في المدن الكبرى عالميا.

 

ويمكن تعزيز البعد العلمي للسياحة من خلال تنظيم مواسم علمية دولية للمحاظر. تستقطب هذه المواسم طلاب العلم والباحثين والمهتمين بالعلوم الإسلامية واللغة العربية من مختلف أنحاء العالم، مما يعزز مكانة موريتانيا كمركز علمي تقليدي في العالم الإسلامي.

 

كما أن المقومات الطبيعية الفريدة التي تمتلكها موريتانيا، تتيح لها استثمارها في إطار السياحة البيئية والصحية. فالمناخ الصحراوي والفضاءات الطبيعية الواسعة يوفران بيئة ملائمة لتنظيم الرحلات البيئية في الصحراء والأنشطة الرياضية في الطبيعة. يمكن لموريتانيا، على سبيل المثال، الاستفادة من اتساع المجال الصحراوي في تطوير مشاريع بيئية متخصصة. يشمل ذلك جذب مستثمرين مهتمين بإنشاء محميات طبيعية لتربية بعض الحيوانات النادرة أو المهددة بالانقراض في بيئات شبه طبيعية خاضعة للمراقبة العلمية. تجمع هذه المشاريع بين الحفاظ على التنوع البيولوجي وتنشيط السياحة البيئية. كما تتيح للزوار والباحثين فرصة التعرف على هذه الحيوانات ومراقبتها في بيئتها الطبيعية، إضافة إلى دعم البحث العلمي في مجالات البيئة والحياة البرية. ومن بين المجالات الواعدة أيضا تطوير أنشطة مراقبة الطيور في منطقة حوض أركين، التي تعد من المناطق البيئية المميزة عالميا وتستقطب الباحثين والمهتمين بالبيئة والحياة البرية.

 

هذه البيئة الصحراوية يمكن استثمارها أيضا في إنشاء مراكز دولية متخصصة في التأهيل البدني والبرامج الصحية المرتبطة باللياقة وإنقاص الوزن. تجمع هذه المراكز بين النشاط البدني والحياة الطبيعية في بيئة صحراوية نقية تجمع الصحراء والإبل والنخيل، ما قد يجذب زوارا من دول مختلفة يبحثون عن وجهات صحية بديلة عن السياحة التقليدية. كما يمكن أن تكون هذه المراكز وجهة للفرق الرياضية لتنظيم معسكرات، مع ضرورة الاستعانة بخبرات دولية لاختيار تصاميم معمارية جذابة والابتعاد عن التصاميم المحلية الكلاسيكية لضمان مستقبل مستدام للمشاريع.

 

ومن بين الاقتراحات الممكنة أيضا تشجيع السياحة السينمائية، من خلال استثمار ما تزخر به موريتانيا من مدن تاريخية وصحراء واسعة ومحاظر ومحميات طبيعية، مما قد يجذب صناع الأفلام والمنتجين لتصوير أعمال سينمائية في هذه الفضاءات التي تجمع بين الأصالة والحداثة. ومن شأن ذلك أن يضيف بعدا ثقافيا وفنيا للنشاط السياحي ويعزز جاذبية موريتانيا على الصعيد العالمي.

 

غير أن نجاح أي مشروع سياحي لا يعتمد فقط على الموارد الطبيعية أو التراث الثقافي، بل يتطلب أيضا تأهيلا بشريا متخصصا. ولذلك، يصبح من المهم تطوير برامج التكوين المهني السياحي. يشمل ذلك إعداد مرشدين سياحيين مؤهلين يمتلكون مهارات التواصل والمعرفة الدقيقة بالتاريخ المحلي والتراث الثقافي، إلى جانب إتقان اللغات الأجنبية التي تسهل التواصل مع الزوار القادمين من مختلف البلدان.

 

ومن الجوانب المهمة أيضا العمل على بناء علامة سياحية وطنية تعكس هوية موريتانيا وتميزها. تظهر التجارب العالمية أن نجاح الوجهات السياحية يرتبط بقدرتها على تقديم صورة واضحة ومميزة عن نفسها عالميا. ويمكن في هذا السياق تسويق موريتانيا باعتبارها أرض المحاظر والصحراء والتراث الإسلامي.

 

إن تبني هذا النموذج السياحي المتكامل، القائم على الثقافة والمعرفة والبيئة، إلى جانب تطوير البنية الحضرية والخدمات السياحية وتأهيل الموارد البشرية، من شأنه أن يرسخ موقع موريتانيا كوجهة متميزة تجمع بين الابتكار الثقافي وثرائها الطبيعي. كما يمكن أن يحول هذا النموذج السياحة إلى رافعة للتنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية المستدامة.

الأحدث