تخطى الى المحتوى
بقلم: عز الدين مصطفى جلولي

جدول المحتويات

فلنسم الأشياء بمسمياتها المعروفة في حضارتنا الإسلامية، هذه البقاع المباركة التي جرت تسميتها "الشرق الأوسط"، المصطلح الذي أطلقه "شيمون بيريز" على بلاد المسلمين ليعمي عن كيانه الغريب فيها، تتعرض لحملة استعمار جديدة من الغرب كله. ودعنا من بيادقهم التي أرسلوها لتثير التفاهات بين الناس، لنجيب بأن الالتفات إلى مراد الله في خطابه الأخير للإنسانية وامتثال إرادته عينا على كل فرد من المسلمين هي الحلقة المفقودة في الجواب عن السؤال المحير للأمة: لماذا يحدث هذا لنا؟ ثم يبنى على الشيء مقتضاه.

ما هذه الأحقاد التي يحملها التلموديون على الإسلام وأهله؟ حتى أرزاق الخلق لم تسلم من أطماعهم؟ وعلى كل حال، فمجيء الغزاة إلى عرين الأسود فرصة من ذهب لتلقينهم الدرس الذي لم يستوعبوه من التاريخ بعد، ومصيرهم إلى الجحيم إن شاء الله!

 

سر التفوق لدى الفرس

"ألا إن القوة الرمي"، كررها المصطفى (عليه الصلاة والسلام) ثلاثا، وقد وفّق النظام الإيراني في استلهام معناها فأنجز لشعبه قوة أثبتت فعاليتها في هذه الحرب. أما من لا يتخذ من تعاليم النبوة نبراسا لأمنه القومي فقد أسرف في بناء الأبراج الشاهقة، وجلب السياح من كل ملة ودين إلى وطنه، وبذر في مشاريع فتنوية داخل بلدان أخرى أموال شعبه، بل ومكن الإنجيليين المتصهينيين من خزائن الأمة بالتريليونات، وليته دافع عن قومه وهم يقصفون.

 

إن إقحام "إمانويل كانط" الألماني في التعريف بعلي لاريجاني، الذي اغتاله الصهاينة مؤخرا، تكلف لا معنى له، ودليله أن من عرّف به هكذا لم يوضح العلاقة التأثرية بينهما. والغريب أن بعض الكتاب لا يزالون يعتقدون بعصر التنوير والفلسفة الأخلاقية لدى الغرب؛ هذا استلاب حضاري ولا علاقة له بالسياسة التي انتهجها الرجل، لأنه كان يستمد رؤاه من الفكر الشيعي الحديث، ومما تضعه القيادة الإيرانية ذات المرجعية المستمدة من الفقه الجعفري. وهذه الخلفية لا يتنبه إليها من يهتم بأمور المسلمين إلا قليلا.

 

حزب الله وخطابه المزدوج

الإضاءة على الجانب الإنساني تغطي على إدانة المعتدين، والأوضاع التي تعيشها المنطقة منذ نكبة 1948م، حينما أسست دولة الاحتلال الصهيوني، لم تقنع السلطات اللبنانية على بناء استراتيجية إيواء للاجئين حتى اليوم، يا للعجب! وعلى كل حال، يجب على بيئة المقاومة التي تنزح مع كل حرب - وستبقى تنزح حتى زوال الكيان - أن تصلح من شأنها بخصوص العلاقة مع الآخر داخل المحيط الذي تعيش فيه. فبهذه النظرة السلبية للآخرين لا مجال للتضامن كما يجب في مثل هذه الظروف الصعبة التي ستستمر.

 

دعوة الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم اليوم للوحدة في مواجهة الهجمة الإمبريالية - الصهيونية على إيران مقبولة جدا، وهي مقبولة في كل آن وحين، إذا صدقت النوايا وكانت موقفا ثابتا لا يتغير بتغير الأحوال والظروف؛ لأن الممارسة الشيعية للسياسة رسخت لدى الأمة قناعة، بأن الحزب وإيران وحلفاءهما الحاملين للعقيدة نفسها يتلونون بحسب المعطيات والأحوال، وهذه حالة من الصعب الوثوق بها ونحن في معركة من معارك الأمة من المفروض.

 

ملمح آخر في خطابه يتعلق بلبنان، لا أدري لماذا يسوّق الأمين العام دخول حزبه المعركة إلى جانب إيران بأنها دفاع عن لبنان، وهو ما انخرط فيها إلا تلبية لواجب الامتثال لأمر الولي الفقيه، ولولاه ما حرك الحزب ساكنا كما كان ديدنه في الأشهر الطويلة الماضية. كان بإمكان الرجل تسويق الدخول إلى الحرب بأن الاعتداء على الجمهورية الإسلامية فرصة سانحة لتصفية الحساب مع العدو، ومناسبة لرص الصفوف في مواجهة التحديات، حتى وإن رفض شطر من اللبنانيين ذلك وأدانوه.

 

هنالك سؤال يطرح على كل من يرفض أن تباشر المقاومة في لبنان خلع كاميرات المراقبة من الشوارع، تحسبا لاختراقها من العدو الصهيوني، هل النفس البشرية أهم في لبنان أم المصارف التي أكلت أموال الناس بالباطل ومحلات المجوهرات؟ إذا لم يك هنالك موقف موحد اتجاه الكيان الصهيوني واستراتيجية فاعلة للدفاع عن لبنان فسيظل حبل هذه التجاذبات على الجرار، والتي ستفشل الشعب وتذهب بريحه أمام عدو غاشم يصرح بالفم الملآن أنه ينفذ مشروع "إسرائيل الكبرى"، التي ستبتلع لبنان فيما ستبتلع، ومجلس الوزراء في السراي الحكومي يستجدي مع "أمه الحنون" فرنسا اتفاقية سلام! "يا عيب الشوم على هيك رجالات وطن":

أرضه لم تعرف القيد ولا *** خفضت إلا لباريها الجبينا

كيف يمشى في ثراها غاصب *** يملأ الأفق جراحا وأنينا

 

البوصلة المفقودة في العراق وسورية

سبحان الله! أي غفلة هذه يا أهلنا في العراق! إن زعم الساسة بأن جوهر المشكلة التي يعاني منها العراقيون في تعثر إمداد نفطهم جنوبا مرجعه إلى القرار السياسي وفي بنية الأنابيب وليست في قسمة البلد الواحد إلى أشلاء متناحرة _ محض هراء. بل إن قلة الحيلة لدى قادة العراق في تمديد أنبوب نفط واحد نحو مطل تركي أو سعودي أو أردني لكسب قوت شعب عظيم يظهر عجز دول متجاورة عن حل مشكلة بسيطة تشترك فيها وهي في الأصل بلاد واحدة. إن عودة الأكراد إلى حضن أمتهم أفضل من الإمعان في الأثرة والاستفراد، وعودة العراق كله إلى تاريخه المجيد كدار للخلافة أولى به وأسلم. أما موالاة اليهود والنصارى ممثلين بالأمريكان والصهاينة والاعتماد عليهم للعيش بأمن وأمان في جزر معزولة فردة وقلة وعي مع الأسف الشديد، نبرأ بأهلنا هناك من الاستمرار في هذه الضلالة المهلكة!

 

في معالجة الشيخ أسامة الرفاعي لقضية الشيعة والمكفرات التي يقول بها بعضهم ثغرات رغم ثقتي بعلمه. فهو لم يحدد من هي الجهات التي كادت للإسلام من الساسانيين الأوائل؟ وكيف فعلت ذلك؟ وما الوثائق التي استند عليها؟ ولماذا تعاون علماء الإسلام وحكامهم تاريخيا مع الشيعة ومكنوا لهم في الحكم وصاهروهم أيضا؟ ثم إنه لم يحدد الموقف من الحرب الجارية في المضيق؟ وماذا عن دول الخليج الداعمة للعدوان الصهيوني الأمريكي على إيران؟ وما قوله في تصريح "ترامب" بأنه عيّن الشرع حاكما على سورية؟ وهل في ذلك حلف ما أمريكي سوري خليجي ضد محور المقاومة؟ ثم هل نبيل خليفة مصدر لقراءة الواقع؟ وإذا كان الإيراني لم يقاتل اليهودي سابقا فماذا عنهما اليوم؟ أظن بأن موقف الشيخ من الشيعة متأثر في بعضه بما ارتكب هؤلاء من موبقات في بلاد الشام. والموقف الصحيح يحتاج إلى فقه عميق، وفهم متجرد للواقع شامل ودقيق، والله أعلم!

 

النقطة العمياء في الصحافة العربية

مقاربة الحرب الجارية في مضيق هرمز في بعدها الاقتصادي بطريقة الحسابات والأرقام تغفل حقيقة عالم أبى أن يسلم لربه، وتتجافى بجهل مركب عن قراءة معمقة لأيام يجريها الله سبحانه على دول مستكبرة رضيت بالحياة الدنيا، مصداقا لقوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}.

 

تحليل العميد حسن جوني معقول إلى حد كبير ومقبول، سوى أن الرجل يفقد حريته حينما يتطرق إلى الموقف الخليجي المناهض لإيران والداعم بشكل فج للحرب عليها. كما أنه لا يعالج بوضوح مصلحة شعوب المنطقة، المغيبة عن مشهد الصراع، والتي تتباين مصالحها عن مصالح أنظمتها السياسية؛ إن المحلل المثالي يحتاج إلى شمولية في النظر، وحرية في الرأي، وتوظيف لهوية المنطقة.

 

رحم الله الصحفي جمال ريان وأعظم أجر ذويه وأحسن عزاءهم، وثبت الله الرجل عند سؤال الملكين له في قبره عن شبابه وعمره وماله وعلمه. إن الموت أعظم استحقاق تشخص له الأبصار، فلينظر كل صحفي مسلم ماذا يذيع على الناس وماذا يقدم لدينه وأمته ليسلم يوم الحساب. وما أكثر الصحفيين والصحفيات الغافلين عن هذه اللحظة المصيرية، اللاهين ببريق الشهرة والمال! نسأل الله العافية!

الأحدث