تخطى الى المحتوى

"لنعبر عن الحاجة" للحديث وعلومه..

الدكتورة أمينة بباي عمّار

جدول المحتويات

للسُّنَّةِ النبويَّةِ المطهَّرةِ شرفُها ومكانتُها الرفيعةُ في سُلَّمِ التَّشريع الإسلامي، فهي المُبيِّنَةُ والشارحةُ لكتابِ اللهِ العزيز.

 

وقد وردت أحكامٌ كثيرةٌ في السُّنَّةِ استقلالًا، وذلك لكونِها وحيًا ناطقًا لا تعتريه الأهواء.

 

إنَّ الاهتمامَ بالسُّنَّةِ وحفظَها ومدارستَها، والإعلاءَ من شأنها، فرضٌ والتزامٌ وتنفيذ، ولا يتحقَّق ذلك إلَّا إذا توفَّرت بعضُ الشروط، أجلُّها وأبرزُها إقامةُ جامعاتٍ ومعاهدَ مختصَّةٍ بالحديث الشريف، تضمُّ دكاترةً مكتتبين بشكلٍ رسميٍّ في هذه المؤسَّسات.

 

وهذا المطلبُ الذي أراه ضروريًّا، إلَّا أنَّه يتطلَّب بعضَ الخطوات تمهيدًا لبناءِ أُسُسِ نهضةٍ حديثيَّةٍ في المؤسَّسات الشرعيَّة، وذلك من خلال اكتتابِ أكبرِ عددٍ ممكنٍ من الدكاترة المختصِّين في الحديث الشريف في المسابقة القادمة، كي يُعوَّض ذلك الخصاصُ الكبيرُ في هذا العلم العظيم في الجامعات والمعاهد الشرعيَّة الموريتانيَّة.

 

إنَّ صناعةَ جيلٍ مُوقِّرٍ للسُّنَّة، متمسِّكٍ بها، تستدعي إثراءَ هذا التخصُّص العزيز بمحدِّثين مختصِّين، وطلبةٍ لهم شغفٌ بالحديث وأهله. وتبدأ أولى خطوات تصحيح هذا المسار بما يُسمَّى «التعبير عن الحاجة» (البرقيَّة)، التي تُبعث بها الجهاتُ المختصَّةُ إلى المؤسَّسات التعليميَّة، للتعبير عن الحاجة إلى اكتتاب دكاترةٍ متخصِّصين في مجالاتٍ معيَّنة.

 

وهنا يبدأ السطرُ المُثقَلُ بتساؤلاتٍ من قبيل:

هل يخضع «التعبير عن الحاجة» للشفافيَّة واستقلالِ القرار السياديِّ لهذه المؤسَّسات؟

 

أم أنَّ الرغباتِ الشخصيَّةَ وإملاءاتِ بعض الجهات النافذة تُعبِّر عن حاجةٍ في نفسها، لا عن حاجةِ المؤسَّسة؟!

 

إنَّ أبرزَ التحدِّيات التي تواجهُنا في حقلِ العلوم الشرعيَّة هي النُّدرةُ المُحبِطةُ للكادر العلميِّ المؤهَّل لتدريس علم «الأثر»، وتلك — لعمري — «ثُلْمةٌ» في البناء العلمي والمعرفي التأصيليِّ لهذه المنارات العلميَّة.

 

إنَّه من فَرْضِ القول، وآكدِه، المبادرةُ لتغيير هذه الوضعيَّة وسدِّ النقص الحاصل، وذلك من خلال اكتتابِ أكبرِ قدرٍ ممكنٍ من الدكاترة المتخصِّصين في السُّنَّة المطهَّرة.

 

وحدَّثني «أوثقُ الناس»، وأخبرني «الثِّقة» — وتلك أرفعُ مراتبِ التعديل عند المحدِّثين — أنَّ أحدَ القلاع العلميَّة العتيقة (المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلاميَّة) يُمثِّل أبرزَ النماذج الأكثر خصاصةً في حقل الحديث وعلومه؛ إذ لا يوجد كادرٌ متخصِّص، باستثناء أستاذةٍ واحدةٍ حاصلةٍ على شهادة الدكتوراه في الحديث الشريف، ومكتتبةٍ عبر المسار المحدَّد، حسب القانون، لولوج الوظيفة العموميَّة عن طريق مسابقةٍ شفَّافة.

 

تجدر الإشارة إلى أن بقية التخصصات الأخرى لديها نفس الإشكالات، وتتطلع إلى حلول مرضية تفسح المجال للدكاترة المتخصصين ليمارسوا حقهم في اعتلاء منابر التدريس في مؤسساتهم بدلا من السادة "المتعاقدين".

 

ورغم أنَّ الحديث يُدرَّس في كافَّة الشعب تقريبًا، وهناك مطلبٌ لافتتاح ماستر «حديثي»، فإنَّ ذلك يطرح سؤالًا مشروعًا: إلى متى سيُوكَل تدريسُ الحديث إلى غير أهله في أقسام الشريعة في المعاهد والجامعات الشنقيطيَّة؟!

 

إنَّه من الضروري تنبيهُ الجهات الوصيَّة إلى هذه الفجوة، من أجل أن تعمل على سدِّها، وذلك من خلال فتح الباب لاكتتاب الكفاءات العلميَّة الحديثيَّة المؤهَّلة، لتأسيس عهدٍ جديدٍ لنشر الحديث ورفع المظلوميَّة عنه.

 

وأُشير في هذا السياق إلى أنَّ أبرزَ التحدِّيات التي تعيق إحداثَ توازنٍ بين التخصُّصات هو وجودُ بعض المتعاقدين في المعهد العالي، ممَّن ارتبطت عقودُ كثيرٍ منهم بوساطات القرابات وأصحاب المناصب العليا، وهذا ما يؤثِّر سلبًا في تصحيح مسار الاكتتاب النظامي؛ لخشية هؤلاء «المتعاقدين» من إفراز واقعٍ جديدٍ يعيد ترتيب «الاستحقاق»: أيُّنا أحقُّ بها؟ أعقدويٌّ بوساطة؟ أم دكتورٌ متخصِّصٌ في الحديث؟!

 

ولا تقتصر دائرةُ الخصاصة في الحديث على المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلاميَّة فحسب، بل تشمل جامعة لعيون الإسلاميَّة، وكذلك جامعة أكجوجت، لدرجة إغلاق بعض الوحدات المختصَّة بالسُّنَّة.

 

ونظرًا لهذا الواقع المرير، وسعيًا لتغييره، فإنَّنا نتوجَّه بنفس الالتماس الموجَّه إلى المعهد العالي، إلى الجامعتين الإسلاميَّتين، أن بشِّروا بعهدٍ حافلٍ، تشرق فيه شمسُ السُّنَّة، وتُشرَع فيه أبوابُ علومها وفقهها وآدابها وسِمَتها.

 

حينها سنستدعي مقولةَ ابن المبارك الخالدة، لمَّا حدَّثوه عن كثرة الوضع في الحديث، فقال: «تعيشُ لها الجهابذة».

 

فنُصرةُ الحديث، والدفاعُ عنه، ورفعُ مكانته، سيبقى ثغرًا من الثغور، تعيشُ له أُمَّةٌ من الناس، وإن اختلفت السياقاتُ والتحدِّيات التي تواجه الحديث وحملة لوائه على مرِّ العصور.

الأحدث