جدول المحتويات
يشكّل قرار تكريس إجبارية التعليم القاعدي في بلادنا لحظة مفصلية في مسار بناء الدولة الاجتماعية، بما يحمله من أبعاد سيادية واستراتيجية تتجاوز الإطار التشريعي الضيق إلى إعادة صياغة عميقة لمنظومة السياسات العمومية. فالقرار الذي صادق عليه مجلس الوزراء برعاية سامية من صاحب الفخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، ترجمة عملية لتحول بنيوي في فلسفة الحكم التي تتوافق مع الرؤية الوطنية لصاحب الفخامة، القائمة على إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع ضمن مقاربة تعاقدية جديدة.
في هذا السياق تبرز إجبارية التعليم القاعدي كأداة للضبط الاجتماعي الإيجابي، ورافعة لإرساء مبدأ تكافؤ الفرص باعتباره أحد أعمدة الشرعية السياسية الرشيدة لصاحب الفخامة.. ففي هذه الرؤية الطموحة لم يعد التعليم يُدرج ضمن السياسات الخدمية ذات الطابع الاختياري، بل أضحى حقًا إلزاميًا تضمنه الدولة وتحتكره كجزء من وظائفها السيادية، في إطار ما يمكن تسميته بـ"توسيع مجال السيادة الاجتماعية". وهذا التحول يعكس إدراكًا متقدمًا لدور رأس المال البشري في إنتاج القيمة وتعزيز القدرة التنافسية للدولة في النظام الدولي.
كما أعتقد أنه يمكن اعتبار هذا القرار استجابة هيكلية لاختلالات مزمنة في البنية الاجتماعية، وعلى رأسها إعادة إنتاج اللا مساواة عبر الأجيال. فإجبارية التعليم تمثل آلية مؤسساتية لكسر حلقة الفقر البنيوي، من خلال ضمان الولوج الشامل والمنصف إلى المعرفة، والحد من ظاهرة الإقصاء التربوي، خاصة في الأوساط الهشة والمناطق النائية. وبهذا المعنى لا تكتفي الدولة بلهب دور الضامن، بل تتحول إلى فاعل مركزي في إعادة توزيع الفرص والموارد الرمزية.
كما يندرج هذا التوجه ضمن ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ"الهندسة الاجتماعية الوقائية"، حيث يتم الاستثمار في التعليم كسياسة استباقية لتقليل كلفة الاختلالات المستقبلية، سواء على مستوى الأمن الاجتماعي أو الاستقرار السياسي. فالتعليم الإلزامي سيرفع من معدلات التمدرس في الوطن، ويعزز ويزيد من منسوب الاندماج المجتمعي، ويحد من قابلية الفئات الهشة للانزلاق نحو الهامشية أو التهميش.
وعلى المستوى الاقتصادي، ينسجم هذا القرار مع مقاربة تنموية ترتكز على اقتصاد المعرفة، حيث يُعاد توجيه السياسات العمومية نحو بناء قاعدة بشرية مؤهلة وقادرة على الابتكار.. فالدولة من خلال فرض التعليم تعيد تشكيل البنية الإنتاجية على المدى البعيد، بما يعزز من قدرتها على تحقيق نمو شامل ومستدام.
ولا يمكن إغفال البعد الرمزي لهذا القرار، إذ يعكس إرادة سياسية صريحة في ترسيخ نموذج "الدولة الراعية العادلة"، التي تضمن عدالتها وشموليتها. وهو بالطبع ما يعزز من منسوب الثقة في المؤسسات العمومية، ويكرّس الانتماء الوطني كقيمة جامعة، تتأسس على شعور الفرد بأن الدولة تضمن له حقوقه الأساسية دون تمييز.
إن دعم هذا القرار ينبع من كونه يعكس عقلانية سياسية متقدمة لدى صاحب الفخامة محمد ولد الشيخ الغزواني، قوامها الربط بين الشرعية والإنصاف، وبين السيادة والاستثمار في العنصر البشري. وهو خيار استراتيجي يعيد ترتيب أولويات الفعل العمومي، ويضع المواطن في صلب المشروع الوطني.
وبذلك يمكننا القول إن إجبارية التعليم القاعدي تمثل تعبيرًا عن وعي سيادي جديد، يرى في المدرسة فضاءً لإعادة إنتاج المواطنة، وفي التعليم أداة لإعادة هندسة المجتمع على أسس أكثر عدالة وتماسكًا. وهو ما يؤكد أن الدولة الموريتانية تمضي بخطى واثقة نحو ترسيخ نموذج تنموي قائم على الإنصاف، والاندماج، والاستثمار في المستقبل.