جدول المحتويات
المدرسة الجمهورية فكرة متميزة، ومطلب وطني لدعم وحدة المجتمع بتقديم تعليم موحد يجلس فيه الغني إلى جانب الفقير، وبعبارة أخرى ابن الفلاح إلى جانب ابن الوزير للتأكيد على العدالة والمساواة في الفرص. لقد تم في السنوات الماضية تنظيم ورشات عديدة حول إصلاح التعليم والمدرسة الجمهورية المنشودة، نتج عنها قانون توجيهي 2021 حمل رؤية متميزة صاحبها في بعض المناطق تحسن في البنية التحتية ومحاولة لتحسين ظروف المدرس بخلق بعض العلاوات وإنشاء صندوق للسكن، وبناء حجرات كثيرة… الأمر الذي أدى الى إقناع أعداد مقدرة من أولياء الأمور بالمدارس العمومية في السنوات القريبة الماضية، لكنهم اصطدموا باكتظاظ الفصول، والتسجيل في لائحة الانتظار، هذا فضلا عن تغيب المعلمين في بعض الأحيان، ونقص في عمال الدعم من مراقبين لتوفير المحيط المدرسي الآمن.
إن مشروع المدرسة الجمهورية مشروع طموح، يمثل الركيزة الأساسية في البرنامج الانتخابي لفخامة الرئيس في مأموريته الأولى والثانية، وقد نبه إلى ذلك في زيارته الأخيرة لولاية كوركل خلال لقائه مع الأطر في مدينة امبود داعيا الجميع إلى استشعار المسؤولية والمحافظة على المكتسبات. فهل نحن أعددنا العدة المناسبة لنجاح مشروع المدرسة الجمهورية؟.
إنه لا يخفى على أحد أننا بحاجة إلى جلسة تقييم لمسيرة المدرسة الجمهورية لاكتشاف جوانب القوة ومظاهر الخلل لأن هذا المشروع - رغم الموارد المتوفرة - واجه تحديات جسيمة تتطلب المعالجة السريعة من أبرزها:
- ضعف الموارد المالية
- غياب الفريق المدرب
- غياب المتابعة المستمرة
- فقدانها للصرامة والجدية في التطبيق في بعض الأحيان.
- محدودية الحجرات وضعف الصيانة.
- ضعف التواصل مع روابط آباء التلاميذ لجعلهم جزءا من العملية التربوية.
إن تأثير المشروع لا زال في بدايته، فالمدارس الخاصة تسيطر على المشهد التربوي سواء على المستوى النوعي أو الكمي، الأمر الذي تعكسه بيانات الوزارة ونتائج الناجحين في المسابقات الوطنية، ولتحقيق النهضة المنشودة ينبغي مضاعفة ميزانية التعليم لتكون قريبة من ميزانية الأمن والدفاع، لأن الأمن الحقيقي لا يكون إلا بجودة التعليم وتعميمه، وقد أكدت ذلك تجارب عديدة في رواندا وجنوب إفريقيا.
وهذه خارطة طريق للمواصفات المنشودة للمدرسة الجمهورية التي نريد وذلك من أجل تحقيق أهم تعهدات فخامة الرئيس:
1. إصدار مرسوم بإجبارية التمدرس لتسهيل الولوج إلى التعليم.
2. تقديم دعم مالي رمزي للأسر محدودة الدخل لتشجيعها على إعانة أبنائها على التمدرس، علما بأن الإعانة ستتوقف في حالة التغيب أو الانقطاع عن الحضور.
3. تحريم وتجريم تشغيل الأطفال في سن الدراسة لمحاربة التسرب المدرسي، والقيام بحملة تفتيش في المحلات وتغريم أصحابها.
4. متابعة المدارس الخاصة بجدية للتأكد من وفائها بدفتر الالتزامات، لأن بعضها أصبح يشبه الدكان الذي يقدم بضاعة رديئة بينما يفترض أن تكون مراكز للتعليم والتهذيب.
5. إلزام المدارس الخاصة بتدريس كل المواد، فهناك إهمال مقصود من بعضها لمواد التربية المدنية والتاريخ والفلسفة.. إلخ.
6. أقترح عقد شراكة جادة مع المدارس الخاصة لتدريس المرحلة الابتدائية حتى يتم التغلب على النقص الملحوظ في الحجرات الدراسية.
7. توفير البنية التعليمية المناسبة من حجرات غير مزدحمة، فيها تهوية مناسبة، وحمامات نظيفة، هذا فضلا عن الفضاء الآمن.
8. اكتتاب هيئة التدريس من معلمين وأساتذة وعمال دعم بصورة شفافة.
9. إلغاء مقدمي الخدمات لأنهم ساهموا في تدني مستويات التلاميذ نتيجة لضعف التأطير.
10. إعداد ورشات تكوينية لهيئة التدريس لشرح قيم الجمهورية المنشودة، ودورها في تعزيز الوحدة الوطنية، وتأكيد الهوية الحضارية للبلد.
11. إعداد دورات لهيئة التدريس في إدارة الفصل، وأحدث الطرق لإيصال المعلومات.
12. تكريم المدرسين وتقدير جهودهم والعمل على تحسين رواتبهم، لأن المدرس المنهك لا يمكنه أن يربي جيلا مبدعا، وهنا أثمن ما حصل من تكريم للمدرسين مؤخرا، ونأمل أن يتواصل بجد وشفافية.
13. إعداد دورات تكوينية للمدراء في التسيير الإداري لأن بعضهم بحاجة إلى تطوير مهاراته في أمور الإدارة وأساسيات المعلوماتية.
14. مراجعة الكتب والمناهج الدراسية وخصوصا اللغة الفرنسية والإنجليزية، لأن موارد مالية كبيرة تصرف على هذه المواد دون نتيجة تذكر، الأمر الذي يبرهن عليه تدني مستويات التلاميذ في المرحلة الإعدادية والثانوية.
15. ضرورة المتابعة التربوية للتلميذ كل أسبوع لاكتشاف جوانب القوة والضعف عنده.
16. إعادة الاعتبار لمادة الرياضة البدنية بصورة جادة لتنشيط الجوانب الذهنية للتلاميذ. إن هذه المادة تحتاج الى رقابة جادة وتأطير مكثف لأساتذتها فهم فئة مهملة.
17. تشجيع إنشاء النوادي الثقافية ودعم مشاركة التلاميذ في الأنشطة اللا صفية لاكتشاف المهارات والمواهب الإبداعية، وذلك عن طريق إلزام مدرسي كل مادة بتنظيم نشاط مرة واحدة كل فصل دراسي.
18. تحريم الهواتف في محيط المدرسة، لأنها تسرق الأوقات، وتضعف التركيز بسبب إدمان وسائل التواصل الاجتماعي.
19. محاربة التدخين والمخدرات في المحيط المدرسي، وإشراك رابطة آباء التلاميذ في تلك العملية.
20. مواصلة الجهود لتعميم إدخال الرقمنة في المنظومة التربوية، والتعليم عن بعد عند الحاجة، وتسهيل الحصول على الرقم المدرسي.
21. حسم المسألة اللغوية في النظام التربوي، لأن الدول التي حسمتها كونت هوية مشتركة ساهمت في تقوية النسيج الاجتماعي ومضاعفة النمو الاقتصادي.
22. الأقسام التجريبية لتدريس اللغات الوطنية يجب أن تؤخذ بجدية، حتى لا يكون مصيرها مثل معهد اللغات الوطنية في العهود السابقة، أو تدريسها في جامعة لنواكشوط هذه الأيام.
إن تدريس اللغات الوطنية ينبغي أن يكون مادة تحدد نجاح الطالب من عدمه وأساتذتها أكفاء بإمكانهم أن يحببوا المادة إلى الطلاب.
23. في النظام التربوي ينبغي اعتماد سياسة ثقافية واضحة، تثمن التنوع بتدريس اللغات الوطنية والتعريف بموروثها الثقافي. إن تنوعنا يشكل مصدر قوة وعامل إثراء لا عامل خناق.
24. ترسيخ قيم المواطنة عن طريق تعليم موحد وزي موحد لتنمية الشعور بالانتماء لوطن واحد نحبه جميعا وندافع عنه بالغالي والنفيس. إن الزي الموحد فكرة رائعة توحي بالوحدة والانسجام، لكن لم تجد من يطبقها في منطقتنا لغياب المتابعة، ويمكن التأكد من ذلك بجولة صباحية سريعة في المدارس العمومية والخصوصية.
وخلاصة القول، إن إقامة مشروع المدرسة الجمهورية هو فكرة رائدة خطت خطوات مقدرة، لكن لا زال أمامها طريق طويل يحتاج إلى المتابعة الجادة بعيدا عن المجاملات المعيشة التي تغض الطرف عن الأخطاء وتتعايش مع المخالفات القانونية والتربوية. إن المدرسة الجمهورية التي نريد هي المدرسة التي تخلق دولة المواطنة التي لا تعترف بلون ولا عرق ولا جهة، الدولة التي يجد الكل ذاته فيها وفق معايير الكفاءة والأمانة والمسؤولية بعيدا عن معايير الوساطة القبلية أو المحاصصة المدمرة.
والله ولي التوفيق