تخطى الى المحتوى

أحمد باب بن أحمد مسكه بن العتيق.. اتهام وحبس إثر "تفتيش لم يقَــعْ"!!

بقلم: محمد البشير بن حبيب

جدول المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم تسليما على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين،

 

أما بعد،

فقد كان اعتقال البطل المجاهد أحمد باب 16 حزيران 1967م: سابعَ أيام النكسة، على الثغر الغربي من البلاد الإسلامية. توافق لافت، كشأن كتابة هذه الحروف تمامَ عقد من الزمان بعد وفاته رحمه الله تعالى 14 آذار 2016 م. عن غير قصد مسبق. فسبحان الله العظيم.

 

أحمد باب بن أحمد مسكه من طلائع رجال الدولة الحديثة في المنكب البرزخي. شخصية فذّة خُصصت لها أكثر من رسالة جامعية. وأكثر من ملتقى فكري... عُرف بالتواضع ومجانفة الإثراء...

 

أهم ما أدلي به في هذه السانحة كلامه هو نفسه في رسالتين وجه أولاهما للرئيس المختار بن داداه رحمه الله تعالى عام 1966، والأخرى بخطه إبّـان محنة 67 (كلتاهما أتحفني بها الأستاذ أحمد محمود جمال بن أحمدُ (كابر) الذي صان كثيرا من التراث الثمين وبذَله جزاه الله تعالى خيرا).

 

وبعض الوثائق الأخرى من أرشيف الأمم المتحدة. نصوص تتجاوز قيود التحفظ الوظيفي (في العرف الدولي على الأقل) إذ مضى عليها زهاء نصف قرن؛ علاوة على بالغ أهميتها في الحديث عن جانب مهم من تاريخ البلاد ورجالاتها...

 

تشهد وثائق الأمم المتحدة فضلا عن الوقائع على همة وكفاءة واجتهاد اضطلع بها المرحوم أحمد باب إذ أحسن سفارته للشناقطة في المحفل الأممي.

ومن المهم بمكان التنبيه إلى الأمور الآتية مفرقة وإن كانت في جوهرها مترابطة، وهي أن التبرئة:

-       حصلت في عهد النظام نفسه الذي اتهم وسجن. ولم تكن صلحا ولا هدنة سياسية بين السجان والمسجون.

-       لم تكن عفوا عاما بل حكما قضائيا بخصوص القضية.

-       جاءت بعد أكثر من سبع سنين من الاتهام.

-       لقد استقال أحمد باب عاما قبل أن يتهم ويعتقل: أي 1966م.

-       المفتش المعني بالقضية مفتش مالية عام ذُكر أكثر من مرة في الوثائق، وليس مفتش الدولة محمد الأمين ولد حامني رحمه الله تعالى.

 

كلها ملاحظات يدركها الغبي فضلا عما تعنيه لأهل الاختصاص. ومزيد التبيان في المرافعة الخطية التي كتبها المعني للمحكمة.

كما نجد في وثائق الأمم المتحدة رسالة تقدمت بها لجنة تناصره، أعـدَّها وزراء وشخصيات مرموقة ضحوا بمناصبهم بوقفتهم المشهودة منهم: محمد بن الشيخ، ويحيى بن منكوس، وألمان محمدُ كان... وإسماعيل بن ديدح بن احميّدْ رحمهم الله تعالى.

 

ومن طريف تساؤلاتهم فيها: هل لدى أحمد بابا مسكة علم التكثير؟! وتساءل أحمد باب في رسالته قائلا: فلماذا خلق البريد..؟

فائدة: يمكن النظر إلى كتابة أحمد باب من زاوية فن المرافعات والأحكام الذي كتبت فيه المؤلفات ضمن ما صار يعرف بالأدب القضائي. فهل يمكن اعتبار هذه الكتابة باكورة المرافعات الشخصية في هذا الميدان منذ تأسيس النظام المركزي الحديث؟ لا غرابة في ذلك إذ المؤلف من أصحاب الأوَّليات ـــــــــ ومنها بالمناسبة كونه أول من جمع السفارتين في "العالم الجديد" مقيما، وأول من استقال منهما.

 

وأختم بما حدثني الثقة أن أحمد باب أخبره أنه قرر اعتزال الدنيا بعدما رأى في العالم من ظلم وغطرسة وقهر... وعقد العزم على المضي إلى البادية؛ فما هو إلا أن استُـقبل بالاعتقال (يذكر أن خليله محمد بن الشيخ بن أحمد محمود قام بالشيء ذاته حتى وفاته رحمه الله تعالى).

 

عبيد ربه: محمد البشير بن أحمد مسكه بن حبيب، السبت 24 رمضان 1447هـ/14 – فالشْ آذار-2026 م.

  

نص المرافعة:

بسم الله الرحمــن الرحيــــــــــــــــم

 

الدولة... ولا تستقيم على الظلم

 

خلاصة عن مذكرة الدفاع التي تقدم بها أحمد باب بن أحمد مسكة إلى المحكمة العليا.

(لنقتصر الآن على التهم التي أسس عليها الاعتقال، والرد عليها، وهي، كلها، تتعلق بالميزانية الخاصة لدورة للأمم المتحدة).

 

الأولى: (وهي أهمها فيما يظهر): يزعم مفتش المالية ومقرر المحكمة العليا أن مبلغا كبيرا من الميزانية المخصصة للدورة العشرين للأمم المتحدة، قد توارى... من دون أي مبرر (أي أنه اختلس، بكل وضوح)ـ

 

يدعي المقرران أن هذه الميزانية الخاصة كانت تبلغ ثمانية ملايين، وأن المحاسبة التي تمكنا من فحصها لا تتجاوز خمسة ملايين تقريبا فأين الباقي ...؟

الجواب: إن هذا محض افتراء، إن ميزانية الدورة المذكورة لم تتجاوز خمسة ملايين. أما الباقي فيتعلق بالدورة التاسعة عشر التي تسلم رئيس الجمهورية نفسه محاسبتها سنة 1965، وقبله آنذاك ووقع على قبوله لها في رسالة إلى وزير المالية وعلى كل حال فليسأل من يشك في ذلك رئيس الجمهورية (وهناك، زيادة على شهادة الرئيس براهين أخرى: رسائل مكتوبة، شهود عدول... إلخ تثبت ذلك من دون لبس).

 

تعليق على هذا الجواب، إن غلطا مثل هذا، قد ارتكبه المفتش العام للمالية، وتبعه فيه مقرر المحكمة العليا (بعد "بحث" يقال إنه استغرق عدة شهور) يبرهن بكل وضوح على عدم كفاءة السلطات في هذا الميدان (إذا فرضنا جدلا صفاء نيتها...).

 

الثانية: يدعي المقرران أن محاسبة الدورة العشرين غير مرضية بصفة عامة، وأنها لا تتوفر فيها الشروط اللازمة في كل محاسبة عادية...

 

الجواب: نعم، إن محاسبة الدورة العشرين لم توضع على الأسس المعهودة "للحسابات العادية"... لأنها وضعت على الأسس المعهودة... لمحاسبات الدورات السابقة، على الأسس التي اتبعت منذ، استقلت موريتانيا (الدورة: 16 والدورة: 17 والدورة: 18 والدورة: 19)، ذلك أن الميزانية المخصصة لدورة الأمم المتحدة كانت دائما تعتبر ميزانية خاصة لا تجري عليها القواعد العادية، لأن المهمات المطلوبة خاصة هي الأخرى، وظروف إنفاقها خاصة كذلك... ولأن المسؤولين على كل حال قرروا ذلك ولا يخفى على أحد أن كل ميزانية "خاصة" تحتوي على مصارف لا يمكن إيضاحها بالطرق العادية (لأن ظروف صرفها تبع ذلك...)، ولولا ذلك لما وصفت بأنها "خاصة" وعلى كل حال فلست أنا الذي اخترعت هذا المنهاج وسننت هذا السنن، فأول من رأس وفودنا إلى الأمم المتحدة وأجرى مادة "خصوصية" مالية الدورات هو رئيس جمهوريتنا وحذا حذوه في ذلك وزراء خارجيته والجل من سفرائهم أي كل من رأس هذه الوفود يوما ما وتصرفوا على هذا الأساس... فهل كانوا مجرمين... وإذا كان الجواب نعم فلم لا يحاكمون كلهم؟ وقد ترأسنا الدورة التاسعة عشر ووضعت محاسبتها على نفس المنهاج، فلم قبل رئيس الجمهورية من يدي تلك المحاسبة بدون أي تعليق أو ملاحظة؟ هل من المعقول أن يخترع السفير المسؤول، بعد هذا كله، منهاجا آخر جديدا، دون أية تعليمات، دون أي مبرر جديد...؟

 

إن كل هذا لا يعني طبعا أن محاسبة الدورة غير قابلة للتفتيش، لكن تفتيشها لا يمكن من طرف الوزير المسؤول - شأنها في ذلك شأن جميع الميزانيات الخاصة - وإني لا أزال مستعدا لمناقشة محاسبة الدورة العشرين مع وزير الخارجية المسؤول آنذاك (وحتى مع الوزير الحالي إن فضل النظام ذلك أو مع الرئيس نفسه) وإنني لمستعد لأن أبرهن على أنني أنفقت ميزانيتها كلها في المصالح الوطنية السامية وأن النتائج كانت أوْفَــرَ وأهَمَّ بكثير من نتائج بعض الدورات السابقة التي أنفقت عليها ضعف ما أنفق على الدورة العشرين.

 

هنالك حادث غريب يجب أن يعاد إلى الأذهان، إذ  طلبت من المحكمة العليا أن تسأل عن هذا كله وزير الخارجية السابق الذي كان مسؤولا عن الوفد الموريتاني أثناء الدورة العشرين، بل كان يرأس ذلك الوفد ورفضت المحكمة دون أن تبرر هذا الرفض - استدعاء الوزير المذكور أو استجواب رئيس الجمهورية، بينما كان رئيس هذه المحكمة يؤكد لي في نفس الوقت أن موظفا تصرف طبقا لتعليمات السلطات العليا لا يمكن أن يتعرض لأية ملامة أو ملاحقة، وهنا لا يسعني إلا أن أوجه بدوري سؤالا... إلى كل من يجد نفسه كفيلا بأن يجيب، كيف يمكن لمحكمة أن تطلع على رأي "السلطات العليا" إذا رفضت رفضا باتا أن تسأل عن هذا الرأي...؟ وكيف يمكن للموظف البريء أن يثبت سلامة تصرفه...؟ أما فيما يعنيني فقد طلبت (بعد رفض المحكمة استدعاء الشهود)، طلبت من وزير الخارجية السابق المعني، تسجيل شهادته كتابيا فبادر إلى أدائها طبقا للحق ولضميره، وهي الآن في الملف (بفضل تدخل المحامي) وهي وحدها كافية لتحطيم جميع الاتهامات المزيفة - أو المخطئة (على الأقل...) - أما رئيس الجمهورية فلم أتصل به (طبعا) منذ وقعت في هذا الشَّــرَك...لكنه كرر أمام بعض الأصدقاء أنه مستعد لأداء الشهادة بما يعلم، خصوصا تأكده قبوله لمحاسبة الدورة التاسعة عشر... إلخ ولا شك أن المناسبات سوف تتوفر عن قريب للمطالبة (من جديد) بأداء هذه الشهادة.

 

هنالك ظروف أخرى غريبة جدا... ربما اتهمني بعضكم بالإفراط والمبالغة إن أدليت بها، لشدة غرابتها... لكنني لست مسؤولا عن وقوعها مع أنني كفيل بإثباتها، ومضطر إلى إيضاحها... لا شك أنكم تعتقدون أن هذه الملاحقات التي أدت لا إلى السجن فحسب بل وإلى هتك عرض مواطنكم هذا، الذي كان يتولى مسؤوليات هامة يعتقد أنه أدى أثناءها خدمات جليلة إلى وطنه (يشهد بها العالم أجمع)، لا شك أنكم تعتقدون أن هذه الملاحقات تعتمد على تفتيش دقيق قام به مفتش نزيه مقتدر قدم أثناءه الأسئلة اللازمة وبحث النقط الغامضة بحضرة المسؤول عن الميزانية المعنية... إلخ تفتيش بمعنى الكلمة المعهودة عند الناس (وعند المفتشين بالخصوص...).

 

لكني أؤكد لكم بكل وضوح، وبدون أي تحفظ أن هذا التفتيش... لم يقع! إن الملاحقات التي أدت بي إلى السجن جرت على أساس "تفتيش لم يقع البتة! نعم ، نعم قدم المفتش إلى نيويورك وطالع، حسب طريقته العادية (ولن أتعرض لوصفها) المحاسبة العادية لميزانية السفارة العادية وصرح رسميا بأنه وجدها... عادية (لم يتقدم على كل حال، بأية ملاحظة ولا بطلب أي إيضاح...) أما الميزانية الخاصة للدورة، فلم يبد أي اهتمام بها، لم يسأل عنها، لم يتعرض لتفتيشها، ولم تعرض عليه ـ طبعا لأنها لم تكن من اختصاصاته ولم يكن له عليها أي سبيل، إنما طلبت أنا منه، بعد انتهائه من مهمته الرسمية، وقبل مغادرته الولايات المتحدة، أن يحمل معه محاسبة الدورة الخاصة إلى انواقشوط ليدفعها إلى وزير الخارجية طبقا لما جرت به العادة منذ برزت دولتنا للوجود، وتفضل فقبل أداء هذه الخدمة البسيطة..

 

فماذا جرى بعد ذلك؟ هل قرر المفتش أثناء تجولاته أن يقوم "بتفتيش" خاص لا حق له في القيام به، ولا يتوفر فيه أي شرط من شروط الصحة؟ هل تلقى بعدنا أوامر خاصة بذلك...؟ وإذا فرضنا جدلا أن له الحق في ذلك فهل سمعتم بتفتيش يجري بدون حضور المفتَّش (الذي يلزم أن يسأل عن كل غامض...).. بتفتيش يجري في غير المكان الذي صُرِفتْ فيه المالية المعنية: كيف يمكن إذن إجراء التحقيقات اللازمة في المسائل الغامضة...؟ هل من المعقول أن يأتي مفتش من بعيد (عدة آلاف الكلمترات) ويكلف سفره نفقات باهظة (ما يقرب من نصف مليون) ثم يرجع من دون إجراء أي تحقيق...؟  ويكتفي باصطحاب المحاسبة المعنية "ليفتشها" في مكان آخر فلماذا خلق البريد..؟

 

هذا ما جعلني أأكد أن القضية كلها بنيت على أساس تقرير يتعلق بتفتيش... لم يقع، ولم يكن له أن يقع (إذ لو جرى لكان غير شرعي).

 

وإن ادعى المفتش أنه قام بتفتيش الميزانية الخاصة في نيويورك (رغم واقع يمكن إثباته...) فهناك أسئلة كثيرة، يلزم إذ ذاك إيضاحها، اقتصر منها ههنا على واحد: التناقض الجلي بين برقيته الموجهة للحكومة بعد انتهاء مهمته في الولايات المتحدة، والتي يؤكد فيها أن التحقيق كان طبيعيا لم يظهر من جرائه أي غش ولا اختلاس، وبين تقريره النهائي الذي يزعم فيه أن مبالغ تقدر بالملايين قد توارت دون أي مبرر...؟!

 

(إنني طبعا أحتفظ بنسخة من هذه البرقية) يظهر إذن ما يلي من النتائج المؤلمة ـــــــ بل والخطيرة جدا، لما تبرهن عليه من انحطاط أخلاقي وعجز مبرح وتقصير هائل في مختلف ميادين نظامنا الحكومي والإداري.

 

-       إن "التقرير" الأساسي، تقرير المفتش العام، ليست له أية قيمة فيما يتعلق بالميزانية الخاصة للدورة، أما فيما يتعلق بالحساب العادي (الذي فتشه فعلا) فإنه يتسم بكثير من الضعف والاضطراب ويحتوي على ادعاءات غريبة ليس هذا محل الإطالة فيها.

 

-      إن الحكومة تصرفت تصرفا شاذا و("خفيفا" على الأقل) حين اعتمدت على تقرير كهذا لتحيل القضية إلى المحكمة العليا لإصدار ملاحقات خصوصا وأن رئيس الحكومة المذكورة لم يكن يجهل أي شيء عن الدورات وميزانياتها الخاصة وقواعد حسابها...إلخ

 

-      إن مقرر المحكمة العليا تصرف تصرفا غريبا جدا بدل البحث والتحقيق العميق، اعتمد فقط على دعاوي المفتش أو على رسالة من السفير الحالي في الأمم المتحدة (...) يعرض فيها بالإدارة التي سبقته (...)، وأقوى دليل على تقصير هذا المقرر عدم اطلاعه على الغلط الفظيع الذي يتعلق بتقدير ميزانية الدورة العشرين والذي لا يحتاج تبيينه إلى أي تخصص.

 

-      إن المحكمة العليا نفسها نقصها (على الأقل)... أقل ما يلزم من التروي والاتزان إذ اندفعت... لا تلوي على شيء رافضة أي تحقيق وحتى ما لا يحتاج إلى التحقيق، رافضة بالفعل أن تنظر إلى الحقيقة الجلية الملحة في وضوحها.

 

إن صاحبكم إذن كان ضحية... كل هذا وإنه يكل إليكم استنتاج... النتائج اللازمة ــ

 

والسلام على من اتبع الهدى.

أحمد باب بن أحمد مسك

الأحدث