تخطى الى المحتوى

الضرائب وثقافة المسؤولية: لماذا لا ينبغي التراجع عن الضرائب على الهواتف؟

محمد عبد الله أجيهاني

جدول المحتويات

في خضم النقاش الدائر حول بعض الضرائب المفروضة على الهواتف المحمولة، وما رافق ذلك من وقفات احتجاجية ومطالبات بتخفيفها، يبرز سؤال جوهري يتعلق بطبيعة الأولويات الاقتصادية والاجتماعية للدولة: ما هي الضرائب التي ينبغي التخفيف منها فعلاً؟ وأيها يجب الحفاظ عليه دعماً للمالية العامة؟

 

في هذا السياق، تبدو المقاربة التي تنتهجها الحكومة بقيادة المختار ولد اجاي مقاربة واقعية تقوم على مبدأ بسيط وواضح: حماية القدرة الشرائية للمواطن في الأساسيات، مع الحفاظ على الموارد العمومية من خلال الضرائب على الكماليات.

 

الضرائب أساس تمويل الدولة

لا يمكن لأي دولة أن تضمن استمرارية خدماتها الأساسية دون نظام ضريبي فعال. فالضرائب هي المصدر الرئيسي لتمويل التعليم والصحة والبنية التحتية والأمن والخدمات العمومية. ومن دون هذه الموارد تصبح الدولة عاجزة عن القيام بدورها التنموي والاجتماعي.

 

ولهذا فإن النقاش حول الضرائب يجب أن ينطلق من فهم بسيط: كل تخفيض ضريبي يعني بالضرورة تقليص الموارد التي تمول الخدمات العامة، وهو ما يفرض اختيار الأولويات بعناية.

 

الفرق بين الضروريات والكماليات

من الطبيعي أن يتفهم الجميع المطالب المتعلقة بتخفيف الضرائب عن المحروقات أو المواد الغذائية الأساسية، لأن هذه المواد تمس بشكل مباشر حياة المواطن اليومية وقدرته الشرائية. فرفع العبء الضريبي عنها يمكن أن ينعكس إيجاباً على معيشة الفئات الضعيفة والمتوسطة.

 

أما الهواتف المحمولة أو السيارات، فهي في معظم الحالات تندرج ضمن السلع الكمالية أو غير الأساسية. ورغم أهميتها في الحياة الحديثة، فإنها لا تشكل ضرورة معيشية بنفس الدرجة التي تمثلها المواد الغذائية أو الطاقة. وبالتالي فإن فرض ضرائب عليها يظل خياراً اقتصادياً منطقياً تلجأ إليه كثير من الدول.

 

خيار اقتصادي عادل

إن توجيه العبء الضريبي نحو الكماليات بدلاً من الضروريات هو في حد ذاته شكل من أشكال العدالة الضريبية. فبدلاً من إثقال كاهل المواطن في أساسيات حياته، يتم الحفاظ على الموارد العمومية من خلال سلع أو خدمات يمكن الاستغناء عنها أو تأجيل اقتنائها.

 

ومن هذا المنطلق، فإن الضرائب على الهواتف أو السيارات لا ينبغي أن تكون محور ضغط لتخفيضها، لأن التراجع عنها قد يفتح الباب أمام مطالبات مماثلة في قطاعات أخرى، مما يؤدي في النهاية إلى إضعاف قدرة الدولة على تمويل مشاريع التنمية.

 

الحاجة إلى وعي ضريبي مسؤول

إن بناء دولة قوية لا يعتمد فقط على السياسات الحكومية، بل أيضاً على وعي المواطنين بأهمية المساهمة في تمويل المصلحة العامة. فالضرائب ليست مجرد التزام مالي، بل هي تعبير عن التضامن الوطني والمشاركة في بناء المستقبل.

 

ولهذا فإن النقاش حول الضرائب يجب أن يتسم بالمسؤولية والواقعية، وأن يميز بين ما يمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر، وبين ما يدخل في إطار الاستهلاك غير الأساسي.

 

إن الحفاظ على التوازن بين حماية القدرة الشرائية للمواطن وضمان موارد الدولة يمثل تحدياً دائماً لأي حكومة. وفي هذا الإطار، فإن التوجه الذي يعطي الأولوية لتخفيف الضرائب عن المواد الأساسية مع الإبقاء على الضرائب المرتبطة بـالسلع الكمالية مثل الهواتف والسيارات يعد خياراً اقتصادياً عقلانياً يخدم المصلحة العامة ويعزز استدامة المالية العمومية.

 

فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل بثقافة ضريبية واعية تدرك أن مساهمة الجميع في تمويل الدولة هي الطريق الأقصر نحو تنمية مستدامة وعدالة اجتماعية حقيقية.

الأحدث