جدول المحتويات
تستحق أمتنا الإسلامية حينما نقارب قضاياها الكبرى إلى رؤية نبوية تعصمنا من الخطأ في الأحكام والمواقف التي سنتخذها حيالها. أما المقاربات البراغماتية، والتي تكرسها السياسة التركية الحالية بوضوح فقلما تفلح وقلما تنفع. المنطقة تتعرض لحملة صليبية صهيونية، وأطراف النزاع فيها أنظمة طامعة في السيطرة والاستحواذ ولا تهمها مصالح الأمة المغيبة أصلا عن هذه المعركة، أمة ترنو لحكم راشد في ظل الوحدة فيما بينها.
اللافت في تصريحات المسؤولين الخليجيين الذين تضررت المنشآت الحيوية لبلدانهم بالهجمات الإيرانية، عدم تفريقهم الواضح بين ما هي ملكية خالصة لبلدانهم ومن حقهم الدفاع عنها، وبين ما هي أصول أمريكية وأوروبية وإسرائيلية، والتي ما وجدت هناك إلا لغايات تتعلق بالهيمنة على المنطقة وليس لحفظ المصالح الحيوية للشعوب الخليجية المهمشة. وبالمناسبة أيضا، فقد لفت انتباهي- إضافة إلى ذلك التجاهل المقصود- التريليونات الأربعة التي دفعت لـ "ترامب" قبل أشهر، هل كانت تعني تسديد كلفة الحرب الحالية قبل أن تشتعل؟
بغض النظر عما يقول به النظام الإيراني من عقائد ومواقف، لا أرى بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد استوعب الأمر كما يجب؛ فالجمهورية الإيرانية تبني مواقفها السياسية على نظرة شرعية مذهبية مستمدة من تراث فقهي قديم، وحاكم المملكة لا ينطلق في مواقفه من سياسة شرعية مناظرة لها؛ إذن لوجد الرجل نفسه يتقاسم والنظام الإيراني مساحة لا بأس بها من التفاهم كما فعل حكام المسلمين من قبل. والغريب أن ابن سلمان وجد ذلك مع الروس وغيرهم من باب تقاسم المصالح القائمة على النظرة المادية للأمور؛ ما يكشف لنا بوضوح الخلفية الليبرالية التي تربى عليها ملوك آل سعود، كما يكشف لنا بعدهم الواضح عن تعاليم الإسلام في رعاية الدين وسياسة الدنيا به.
الغزاة الجدد - الأمريكان والصهاينة - ومن يدفع لهم من حكام المنطقة أغبياء حقا، يدمرون طهران بكل أنواع الذخائر وقد خلت من سكانها، في خدمة مجانية للنظام الإيراني، الذي أشار رئيسه مسعود بزشكيان منذ أشهر إلى احتمال إخلاء العاصمة طهران من سكانها ونقلهم إلى أماكن أخرى نظرا لندرة المياه فيها؛ فأي خدمة أعظم للإيرانيين من هدم المدينة على حساب هؤلاء الحمقى المعاصرين؟ {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُون}.
بين المصالح والعقائد يختلف الناس حتى لو كانوا في وطن واحد. وإن بين منطقة الشام وشبه الجزيرة العربية وآسيا الوسطى لوشائج قربي لا تنفك، ومحال أن تجدي فيها خطوط "سايكس- بيكو" الوهمية والحشود العسكرية. على اللبنانيين أن يصبروا ويصابروا، وعلى السوريين أن يقدموا لإخوانهم اللبنانيين الدعم ولا يمنعوا عنهم الماعون؛ فهذه الأيام أيام مرحمة لا أيام تشف وملحمة.
ما شاء الله! الأنظمة السياسية إسلامية كانت أم علمانية تتشابه في تعاملها مع التحديات التي تواجه الأمة. سلوك واحد متشابه ونتيجة مثلها، الركون إلى الغزاة وانتظار الدور. معركة المحور المقاوم اليوم فاصلة، وهو يخوضها بعنفوان وتجرد لا سابق لهما. إن المرحلة مرحلة التحام وإباء، وليست مرحلة اصطفاف وخنوع.
من الحكمة أن تراجع قيادة حزب الله مسارها المقاوم كله. وأول خطوة تفعلها أن تقرأ ما يحدث لأهلنا في إيران ولبنان في ضوء ما فعل الطرفان في العالم الإسلامي من موبقات، وليس التقتيل والتهجير وما يبيت لإيران من مكايد إلا صورة لما فعلته الجمهورية لغيرها، فكما تدين تدان؛ وثاني خطوة، أن يقاتل الحزب بضراوته المعهودة ويزحف نحو الجليل، لا انتصارا للحليف الإيراني فحسب، بل يعتبرها جولة حاسمة نحو تحرير فلسطين؛ وثالث خطوة، أن يتصالح الحزب ومن على شاكلته مع محيطهم السني، وأن يدعوا عنهم تلك السلبية في نظرتهم إلى الآخر، وهم ينزحون إلى مضاربه طالبين منه العون، وليذكروا قوله تعالى: {وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون}.
ارتفاع الأسعار يضرب القدرة الشرائية للمواطنين في دول عدة من عالمنا الإسلامي سببه إغلاق مضيق هرمز. يا لها من ضارة نافعة! فلماذا تعتمد هذه الشعوب على استيراد حاجاتها من دول بعيدة، ولا تسعى إلى تأمين عيشها بما لديها من طاقات معطلة وما أكثرها؟! لقد استغلت أنظمة مستبدة خيرات الشعوب قهرا، وباعت أرزاق الناس المكنوزة بثمن بخس لتشتري ذمم دول كبرى، رجاء البقاء في الحكم، في استغلال رخيص للضعفاء، وقد حانت ساعة التحرر من عبودية الأباعد والأقارب على السواء.
في الوقت الذي تسعى فيه الصليبية الجديدة، بما لديها من عدة وعتاد، بدينها لتمكن له الأرض سواء بالحرب أو بالسلم، ينشغل بعض المتخصصين في العلوم الإسلامية - وأساتذة الجامعات منهم خاصة - بمشروعية دعم إيران في حربها ضد الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي لكونها دولة شيعية، ويتبارون في إدارة عواطفهم ليمنحوها لهذا أو لذاك، ولا همّ لهم ولا يد أكثر من التموضع شعوريا هنا أو هناك. والغريب في الأمر، أن لديهم كوكبة من المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي توقع على مقولاتهم بالإعجاب والاستهجان وبغيرهما من أوسمة لا حصر لها، في حالة تعكس الوعي الديني والسياسي لهذه الفئات من المثقفين السنة، كما تجلي للناظر المواقع الهامشية التي رضي بها هؤلاء في الحياة العامة، أو لنقل المواقع التي حددتها لهم الأنظمة السياسية وحشرتهم فيها وألهتهم بها، ليغدوا قطعا من مشهدية عامة لدول ضعيفة، ليست لها رؤية نحو المستقبل، ولا همة لديها لتقوم لها قائمة، ولا منعة حقيقية تمنعها إذا ما جاء الدور عليها، وهو قادم لا محالة، طالما أن أعداء الأمة بدؤوا يصفّون حساباتهم، حتى مع من فكر في إيذائهم ولم يفعل، أو أنه استطاع أن يدعمهم وقصر.
بيان علماء المسلمين - ومنهم الغرياني والددو - عن الحملة الأمريكية الصهيونية على إيران يفتقر إلى الأدلة الشرعية، خاصة من الكتاب والسنة. كما أنه يضفي غطاء شفافا يمنع به التعرض للقواعد الأجنبية الموجودة أصلا بغرض الهيمنة. ويتحاشى مواجهة الأنظمة الخليجية بواجباتها الشرعية في معارضة الحملة الصليبية الصهيونية والوقوف مع المظلومين، ولا ينهاها عن مواقفها الداعمة سرا وعلانية للعدوان على إيران. وفي تحقيق المناط، لم يفرق الموقعون على البيان بين الشعوب والأنظمة بوضوح في هذه المعركة، باعتبارها معركة أنظمة متهارشة على السيطرة والاستحواذ لا معركة أمة تشارك فيها وتتطلع بها إلى وحدة إسلامية تحت حكم راشد.
أما المثقفون غير الحاملين للثقافة الإسلامية من كتّاب وأساتذة ومحللين فضائعون حقيقة في تحليل يشبه تنجيم الكهان، تحليل مضلل خال من الموضوعية والمبادئ. يتلقفون أي خبر عاجل بلا تمحيص ويبنون عليه رؤية، لديهم استعداد لتغييرها لو تغيرت الأخبار أو دحضت، مثل رسام يحمل فرشاة ولوحا قد وضع عليه ألوان الطيف السبعة، يلون بها رسوماته كيفما يشاء.
إن العالم الحديث لا يمكنه أن يتعايش في ظل الحروب والسيطرة والاستعمار، على جميع الناس أن تجد صيغة أخرى تضمن للإنسانية العيش الكريم في ظل العبودية لله، واعتبار الخلق عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، كما قال محمد بن عبد الله.