جدول المحتويات
يكشف بيان مجلس الوزراء الصادر في 4 مارس 2026 عن تحديات بنيوية عميقة تواجه الإدارة العمومية في موريتانيا. فبين ضرورة استكمال هيكلة قطاع الكهرباء المثقل بالأزمات، وقرار منح عقار استراتيجي لجهة خصوصية، تبرز أسئلة جوهرية حول معايير النجاعة، والشفافية، وحماية الفئات الهشة في ظل شعارات محاربة الفساد المرفوعة من طرف النظام.
أولاً: "صوملك" والنزيف الطاقوي.. ومديونية ثقيلة ترهق الأجيال:
جاء قرار تمديد مهلة إعادة هيكلة شركة "صوملك" إلى 24 شهراً ليعكس صعوبة مواجهة نزيف طاقوي يضرب مفاصل الاقتصاد الوطني:
- تبعات المديونية الثقيلة: خلال العقد الأخير، تحملت موريتانيا قروضاً فاقت 1.2 مليار دولار مخصصة لمشاريع الطاقة. هذه المبالغ الضخمة لم تنجح حتى الآن في كبح "الهدر الفني" الذي يتراوح بين 25% إلى 30%، وهي نسبة مفزعة مقارنة بـ11% في المغرب و18% في السنغال؛ مما يعني ضياع ثلث الإنتاج قبل وصوله للمستهلك بسبب تهالك شبكات التوزيع.
- شلل الأنشطة الاقتصادية: إن الانقطاعات المزمنة في المدن والأرياف لا تجلب الظلام فقط، بل تعيق الحياة اليومية وتضرب الأنشطة التجارية في مقتل، كما أنها تمنع بشكل قاطع قيام صناعات تحويلية قادرة على خلق قيمة مضافة تساهم في امتصاص البطالة.
- مشاريع الطاقة المتعثرة: تعاني عدة مشاريع لإنتاج الطاقة المتجددة تم تدشينها خلال العقد الأخير من توقف كلي أو جزئي نتيجة غياب الصيانة الفعالة، لتتحول هذه الاستثمارات المليارية إلى أعباء ديون ستتحملها الأجيال القادمة دون نفع ملموس.
ثانياً: مأساة القصور الكلوي.. ذاكرة الاحتكار وعذابات المرضى
قام مجلس الوزراء في نفس الاجتماع بمنح قطعة أرضية تزيد على 5000 متر مربع في منطقة المطار القديم لصالح "مصحة الحياة" ليعيد إلى الأذهان ملفات "الريع" في القطاع الصحي:
- إرث الاحتكار: يعيد هذا القرار إلى الأذهان تاريخ هذه المصحة التي احتكرت خدمة التصفية لعقود، مع فوترة مبالغ خيالية على الدولة عن كل حصة، قبل أن يُكسر هذا الاحتكار في 2012 بعد اقتناء الدولة لعشرات الأجهزة ونشرها في المستشفيات الكبرى في البلد، واليوم تُمنح هذه المصحة أرضاً شاسعة ذات قيمة اقتصادية كبرى، دون مناقصة في نفس الوقت الذي توشك فيه خدمة التصفية على التوقف في كثير من المستشفيات العمومية بسبب غياب الصيانة.
- رحلة الألم: يعيش آلاف المرضى عذابات يومية نتيجة تعطل الماكينات، والنقص الحاد في الأدوية، وغلاء أسعار المتوفر منها، وبسبب هذا الواقع، يضطر الكثيرون لنقص حصصهم من 3 إلى حصتين أسبوعياً، وهو إعلان انتحار بالنسبة لكثير منهم.
- الهجرة من أجل الحياة: يسافر المئات سنوياً إلى تونس، المغرب، السنغال، وحتى فرنسا وإسبانيا (لمن تسمح لهم ظروفهم الاقتصادية) بحثاً عن علاج آمن، بينما يواجه الفقراء في نواكشوط والداخل تبعات صحية خطيرة نتيجة الإهمال والفساد في قطاع الصحة.
- تعثر مشاريع زراعة الكلى
رغم المحاولات الخجولة وتنظيم بعض المؤتمرات واستقبال بعض الوفود من الدول الصديقة والشقيقة فإنه لا تزال لوبيات الفساد في القطاع تقف سدا منيعا يحول دون تحقيق نتائج مرضية في مجال زراعة الكلى.
وكان الأجدر بيع هذا العقار في مزاد علني واستثمار عائداته في تمويل برنامج وطني لزراعة الكلى بشكل ناجع وفعال، يحد من استنزاف الموارد ويخفف آلام هذه الفئة، بدلاً من التفويت المجاني.
ثالثاً: الزبونية السياسية وخرق مبدأ الحياد التنافسي
إن منح عقار بهذا الحجم وهذه القيمة دون مناقصة وطنية شفافة يعيد إنتاج ممارسات "المحاباة" فهذا المنح يعيد للأذهان انتقادات هذا النظام لملفات "بيع المدارس" وشريط الملعب الأولمبي ومدرسة الشرطة، والتي حقق فيها كجرائم فساد. فكيف يتحول "البيع بالمزاد العلني" قديماً إلى جريمة، ويصبح "التفويت المجاني" اليوم تشجيعاً للاستثمار؟
خاتمة: وجع الميدان وزيف الشعارات
إن الحوكمة ليست مجرد نصوص قانونية، بل هي "روح" تنحاز للمستضعفين. في دول تحترم مواطنيها، تُباع هذه العقارات لتمويل مراكز التخصصات الدقيقة، أو تمنح مقابل خدمات اجتماعية موثقة، أما عندنا، فيبدو أن "لوبيات الريع" لا تزال أقوى من آهات مرضى الفشل الكلوي الذين يرقبون بأعين منكسرة توزيع أراضٍ كان يمكن أن تشتري لهم حياةً كريمة.
إن شعارات محاربة الفساد ستظل صدىً بلا واقع ملموس، ما لم تتوقف "هدايا العقار" وتُستعاد السيادة الصحية والطاقوية. فرحمةً بالفقراء الذين يقتاتون على الأمل، وبالأجيال التي ستسدد فواتير "المحطات المعطلة"، آن للأوان أن تُدار مواردنا بمعيار العدالة.. لا بمعيار "الموالاة".