تخطى الى المحتوى
بقلم: محمد سالم الشيخ

جدول المحتويات

(1) الهوية الوطنية بين الإكراه والاختلاف

مقدمة:

نالت إشكالية الهوية الوطنية للبلد حيزا كبيرا من النقاشات في الآونة الأخيرة، ودار حولها استقطاب كبير بين مجموعة من السياسيين ذوي الخلفيات الإيديولوجية (العربية والزنجية) أعادوا من خلاله طرح نفس النقاشات التي شهدتها الساحة السياسية منذ منتصف الستينات حتى اليوم دون أن يتقدم النقاش ودون أن نخلص إلى نتائج مختلفة، ودون حتى أن يتم فتح أفق للحوار الهادئ والرصين حول الموضوع، بل ظل كما كان مليئا بالشحن والاتهامات المتبادلة والتخوين والتهديد. لم تظهر هذه النقاشات كحوارات فكرية حول موضوع مهم ومطروح يساهم فيه بعض المهتمين والخبراء كما وقع قبل فترة في نقاش هوية مكونة لحراطين، وإنما ظهرت كمشاركة في النقاشات الممهدة للحوار السياسي الذي أعلن الرئيس عن تنظيمه وعين له منسقا مشرفا على تنظيمه وفرز الملفات التي ستناقش فيه، فهو ومنذ البداية حوار سياسي إيديولوجي يحاول فيه كل طرف الحصول على مكاسب في الحوار، إما بتحقيق بعض الأهداف أو بتفادي التهم وتحميل المسؤولية عن حوادث سابقة تتعلق بالهوية والوحدة الوطنية.

 

1- هوية واحدة أم هويات مختلفة:

الهوية جزء جوهري من حياة الإنسان، تتشكل أحيانا من عناصر لا يملك الإنسان اختيارها، مثل العرق والجنس والموقع الجغرافي الذي ينتمي إليه واللغة التي يتحدث بها، وأحيانا من عناصر يختارها بإرادته كالدين والفكر والمعتقدات.

 

ولهذا تبدو الهوية ظاهرة معقدة تتأثر بالبيئة والثقافة والتجارب الشخصية على حد سواء، وتطرح الكثير من الاستشكالات الثقافية والتاريخية المعقدة.

 

وإذا ما أردنا الحديث عن هويتنا الخاصة فمن المعروف أن هذه البقعة من بلاد الله تعاقبت عليها دول وممالك وقوميات مختلفة كان آخرها قدوما العرب، فقد عرفت تعاقب حضارات و ثقافات مختلفة وممالك كلها زنجية من مختلف المكونات، قبل أن يدخلها الإسلام إبان مملكة غانا وكذلك على يد الفاتحين من قبائل صنهاجة البربرية والتي أدخلت الإسلام إلى هذه الربوع مع ما يحمل من التعامل مع لغة القرآن والحديث والتي هي اللغة العربية، فالإسلام ومنذ البداية حمل هوية خاصة يتشارك فيها جميع المنتمين إليه، فيتعلمون لغة القرآن والحديث، ويتقاسمون القيم الأخلاقية النبيلة من إخاء ومساواة وعدالة وإيثار وهي قيم شدد عليها الإسلام ونظفها من أدران الكبر والخيلاء والتباهي والعجب، ومن المعروف أن الهوية ليست اللغة وحدها وإنما ما تشتركه الشعوب من ثقافة وقيم وتاريخ مشترك، وعندما بدأت الهجرات الحسانية بدأ تداول اللغة العربية يتكثف بدعم من هذه الهجرات وبدعم من ترسيخ المعارف الإسلامية من أصول وفقه ولواحقها من لغة، تجاورت هذه الشعوب المختلفة وتعايشت في نفس المجال، يوحدها الإسلام وتتمايز بثقافاتها ولغاتها وكل منها يحترم للآخر خصوصيته.. لا نقول إنه لم تحدث مشاكل بين هذه المكونات ولكنها استطاعت دائما حلها والتغلب عليها.

 

2- الدولة الوطنية والهويات القلقة:

حافظ الاستعمار بعد نهاية مقاومته العسكرية والثقافية على الأطر التقليدية القائمة حيث رأى فيها الوسيلة الوحيدة التي يمكنه من خلالها السيطرة على البلاد، فتعامل مع الإمارات والمشيخات والقبائل والزوايا الصوفية بطريقة تحفظ له التحكم في البلد، وتجعلها رديفة له وتسهر على مصالحه، فلم يقم نواة لدولة عصرية ولم يقم مؤسسات حديثة تتناسب مع الدولة الحديثة، لذلك ومنذ إرهاصات الاستقلال طرحت بشدة إشكالية هوية الدولة وليس الشعب، والتي اتفق الرعيل الأول على الإسلام كمرجعية جامعة لمختلف مكونات الدولة، فجاء الاسم المعبر عن ذلك (الجمهورية الإسلامية الموريتانية)، لكن لم يعن ذلك استخفافا بالهوية العربية (ثقافة ونسبا) للشريحة الأكبر من ساكنة هذه الدولة، والتي اعتبر البعض أنها تمثل حضنا لمجتمع البيظان في كليته، ولعل ذلك من المصادر الأولى للقلق التي أحس بها المثقفون الزنوج إضافة إلى انخراط البعض في الدعوة للانضمام للمغرب، والتي تبنتها مجموعة وازنة من أبناء الوطن، بل ودافعت عنها وهاجرت للمغرب تاركة الدولة الفتية تقاسي من خنجر في خاصرتها الرخوة.

 

ظلت الدولة الفتية تبحث عن عروبة ناقصة حيث لم تعترف بها الدول العربية ولم تنضم للجامعة العربية إلا بعد حين، بينما وجدت الدعم والمساندة من الجيران الأفارقة وتبوأت مكانة كبيرة فيهم وعندهم، الشيء الذي راكم القلق عند النخبة العربية العروبية الناشئة والتي كانت تتفاعل مع المد العروبي آنذاك وخطابه الإيديولوجي الحالم وتريد دولة تنتمي للأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة، متناسية أن هناك شريحة كبيرة من الوطن لا تنتمي لهذه الرؤية ولا تقاسمهما نفس الحلم، بل إن هذه النخبة الزنجية التي كانت تحتل مكانة رفيعة في مؤسسات الدولة والإدارة العامة والتي تبوأتها بفضل اللغة الفرنسية التي كانت لغة الخطاب والعمل، الشيء الذي جعلها تعارض الإرهاصات الأولى للتعريب، هذه المعارضة التي بدأت مع بيان الأساتذة الرافضين لتدريس ساعات من العربية في بلد يعتبر نفسه دولة عربية وفي مدارس شعب يعتبر نفسه عربيا قحا، فبدأت مشكلة في أصلها ثقافية تم تسييسها والتعامل معها بطريقة خاطئة جعلتها تبدو وكأنها صراع على الوجود بين مكونات شعب واحد طالما تساكن واتفق واختلف، وطالما حل مشاكله بطريقة توافقية.

 

3- الاستقطاب القومي المتبادل

منذ أحداث 1966 عرف الشعب الموريتاني شرخا كبيرا في هوية لم تتشكل بعد أثر على مسيرته وتوازناته حتى اليوم، فقد برزت مجموعة قومية زنجية ترى أن عروبة موريتانيا تمثل خطرا داهما عليها وعلى مكانتها في الدولة، وسعت بكل جهد إلى جر الدولة إلى عدم التسرع في التعريب خصوصا أنها لا تجد مساعدا في ذلك من الدول العربية التي كانت ترفض انضمامها لأكبر هيئة سياسية عربية (جامعة الدول العربية) وأن الجار الشمالي ما زال يطالب بالدولة كلها وتقيم به مجموعة كبيرة من النخب التي تطالب بالتعريب وتتزعم الدعوة له، هذا القلق هو الذي أثر كثيرا على النخب الزنجية وجعلها تخاف من المصير الذي لم يتضح بعد.

 

في المقابل كانت هناك مجموعات من المثقفين والشباب المتشبعين بالفكر القومي العربي والذين يريدون أن يتسلق البلد كل الصعاب ليحقق هويته العربية التي لا يجادل فيها مجادل ولا يرفضها مناكف، فقد تحققت تلك الهوية باللغة والعادات والتقاليد والثقافة في موريتانيا أكثر من عدة بلدان عربية.. كانت الهوية عند هؤلاء هي العروبة التي يريدون فرضها على غيرهم وقد رفعوا شعار (بالدم واللهيب يتم التعريب) ولم يقيموا وزنا لاختلاف شرائح كبيرة معهم في الوطن وفي الطرح، وكانت لديهم ردة فعل مبالغ فيها، حيث عدوا إخوتهم في الوطن يمثلون المستعمر ويسهرون على مصالحه ويسعون إلى إفساد مسيرة البلد وتحقيق هويته، وذلك ما ستعقبه الكثير من الأحداث التي شارك الطرفان فيها بالشحن المتبادل والتأثير في الرأي العام بمعلومات غير دقيقة وقراءات سطحية موجهة للواقع، تهدف إلى تحقيق مزايا ونقاط خاصة من كلا الطرفين. في تلك الفترة شهدت بلادنا الكثير من الأحداث التي أثرت وما زالت تؤثر في تماسك النسيج الاجتماعي لدولتنا، وقد فاقم منها التعامل السيء من طرف الأنظمة، وخصوصا نظام ولد الطايع الذي شهدت فيه البلاد أسوأ ما شهدته من انقلابات وإعدامات قانونية وغير قانونية، وتصفيات دون محاكمات وتعذيب لكافة مكونات الطيف السياسي، وكان المسبب لها في كل مرة هي تبليغات من هذا الطرف أو ذاك، ومعلومات مفبركة وكاذبة من هذا الطرف أو ذاك، وشحن وترويج لسرديات خيالية أيضا من هذا الطرف أو ذاك.

 

هذا الاستقطاب الذي أدى لتلك الأحداث ها هو ينبعث اليوم من رماده استعداد للحوار الذي طالب به الرئيس ووعد به، استباقا لكل حل ومحاولة لتسجيل نقاط عجز البعض عن تسجيلها أيام الدم واللهيب، متجاهلين أن مفهوم الهوية قد تغير ولم تعد الهوية ذلك المفهوم المغلق الذي يفرض بالقوة على الجميع كما كان في فترة الأحكام الشمولية، حين كان مجرد التفكير بطريقة مختلفة يعد خيانة للوطن وخروجا على الإجماع، ومتجاهلين كذلك أن من يحب وطنا يضحي من أجله، ليس بالسرديات الساذجة ولكن بالمواقف العقلانية الوازنة والمتزنة.

 

الخاتمة:

عالجت في هذا المقال مسألة الهوية، وسأحاول أن أكمل هذه السلسلة بتناول المواضيع المرتبطة بها من إرث إنساني ومن مخلفات الاسترقاق، لكن قبل أن أختم، أريد تسجيل ما يلي:

تعاني كافة مكونات المجتمع الموريتاني من قلق في هويتها وضبابية، وذلك ناتج عن الانغلاق على الهوية القسرية واعتبارها هي الركن الأساسي، في حين أن الهويات المصطنعة هي الأهم، فالهوية عامل متغير يختلف في كل فترة زمنية عن غيرها من الفترات، وقد بدأت الشعوب تركز على الهويات الجامعة وتصنع هويات تمكنها من حل مشاكلها وتفادي ما يجره الماضي والتجارب السابقة من مشاكل، ولعل التجربة النبوية في المدينة أحسنها وأنجعها معالجة، فقد قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة والأوس والخزرج بينهما صراع دام قرنا ونصف قرن، ترفده الكثير من الأشعار والقصص التي تذكيه في كل مرة، فصنع لهم هوية جديدة هي (الأنصار) وحدتهم وجعلتهم يتنافسون في كرم الضيافة والبذل والجهاد، كما صنع هوية موازية لأبناء قريش وكل من قدم معهم هي (المهاجرون) فاندمج الجميع وانضبط في هذه الهويات الجديدة التي يدعمها الإسلام ويؤطرها الجهاد والإنفاق والتضحية، وظلت قائمة إلى اليوم، نحن كذلك تنخر نسيجنا الكثير من المشاكل، فلدينا في العنصر العربي التفريق بين العرب والبربر والتي تبدو بارزة في نقاشات السلاسل النسبية هذه الأيام، وكذلك النقاش الجدي في مكونة لحراطين وهويتها الخاصة، ناهيك عن ما تشهده المكونات الزنجية من تمايز وتفرقة وتراتبية اجتماعية ظالمة.. كل هذا يجعل واجبنا وخصوصا النخب المثقفة منا، أن تتحاور بجد ووطنية وأن تتفادى التجاذبات التي أضرت بنا كثيرا، وتتفق حول صناعة هوية خاصة بنا في موريتانيا، تقبل الجميع وتحتضن الاختلافات وتعرف أنها منبع غنى وليست مصدر ضعف، وتعرف أن البيظاني لن يكون بولاريا، وأن الصوننكي لن يكون عربيا، وأن ظروفنا فرضت علينا التعايش والحياة في بقعة ووطن واحد، فعلينا أن نعمل على توفير السبل الكفيلة بالتعايش السلمي والحياة الرغدة، لنتفرغ لبناء هذا الوطن وتنميته في ظروف حسنة. كما علينا أن نعرف أن غالبية هذه المشاكل أوقعنا فيها بعض الساسة الذين ينبرون اليوم لمحاولة حلها، فيعيدون البوصلة لنفس الطرح ونفس الرؤى التي كانت السبب في كل البلاوي، فهم هنا يجعلون العصي في الدواليب، لكي لا نتمكن من حل لا يرضيهم أو من حل يحملهم المسؤولية، وهذه الاستراتيجية معروفة والجميع بدأ يدركها، ومسالة الهوية يكون حلها عند المؤرخين والاجتماعيين و الانطربولوجيين و ليس عند السياسيين.

الأحدث