جدول المحتويات
فلا ريب أن تتصدرت في مجتمع المآذن والمحاظر نساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت.
الحياء ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو حارس خفي للروح، وسور يمنع سقوط الإنسان في هاوية البذاءة. فإذا انهار هذا السور، سقطت معه القيم، وضاعت بوصلة المجتمع. فهو ليس زينةً تُضاف للإنسان، بل صمّام أمان يحفظ إنسانيته.
ما الذي يحدث في بلد المنارة والرباط؟
لم يعد السؤال يُطرح في ميادين السياسة ولا في أروقة الاقتصاد، بل صار يُطرح عند متابعة ما يُسمى مجازًا "برامج حوارية".
فإذا بالبيوت التي عاشت على صوت التلاوات وسرديات الآباء والأمهات تحت خيام الوبر والصوف، تتُفاجأ بعلب سوداء تقطر بذاءة وسوء أخلاق تقذف إليها ألفاظًا تخجل الجدران من سماعها.
هل هذه حرية الرأي؟ أم أن الحرية حين تُفرغ من جوهرها تتحوّل إلى فوضى، وحين يغيب القانون تتحول المنابر إلى مصاطب؟
لقد علّمت البشرية معنى الحياء قبل أن تعرف البشرية معنى القانون. كانت أرض النبوة ومَهبط الرسالات، وموئل الذوق والنهضة، واليوم نجد أنفسنا في زمن صار فيه أبسط أشكال الفضيلة ـ الحياء ـ غريبًا منبوذًا، كأنه عبء على لغة الحاضر.
ما يجري مؤخرًا على الهواء ليس مشهدًا عابرًا من مشاهد الاستعراض، بل علامةٌ على سقوط أخلاقي مروع. أن يتحوّل الآباء إلى ساحة سباب وتجريح شخصي بين رويبضات عشش الجهل وسوء الأخلاق في أفكارهم وباض الانحطاط وسوء التربية وفرخ فيهم.
هذه ليست زلة لسان، بل تجلٍّ لانهيار مريع في القيم التي تأسس عليها المجال العام.
قد تسقط مؤسسة، وقد يهتز نظام، وقد ينهار اقتصاد؛ لكن الأخطر من ذلك كله أن تسقط الأخلاق. فالمجتمعات لا تبقى متماسكة بالحديد والنار، بل بالضمير الجمعي، وبما يتوارثه الناس من قيم الصدق والعدل والحياء. فإذا فُقدت هذه القيم، صرنا أمام جثة مجتمع يمشي على قدمين.
حين يختفي الحياء، لا يبقى من الإيمان سوى قشرة خاوية. وحين يُلغى "قانون العيب" من حياتنا، يصبح الردح مادة للتسلية، ويُقدَّم الانحطاط كأنه صورة من صور الجرأة.
وهنا يصبح السؤال الفلسفي حاضرًا: هل السقوط الذي نراه اليوم مجرد لحظة عابرة في مسيرة مجتمعنا، أم إنذار من التاريخ بأن الأمم لا تنجو إلا حين تحاسب نُخبها وتطهّر صفوفها؟
مجتمع بلا حياء هو مجتمع بلا مستقبل. وإذا ضاع الحياء، صار التاريخ مجرد ذكرى في كتب قديمة، وصار الوطن مجرد جغرافيا بلا روح.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربن بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" رواه مسلم.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ستكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر، يأتوا أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمهم، كما خدمكم نساء الأمم قبلكم" فقلت لأبي: وما المياثر؟ قال سروجا عظاما. رواه الحاكم.