تخطى الى المحتوى

نحو بناء منظومة نزاهة متكاملة: إصلاحات مؤسسية وقانونية لمكافحة الفساد

بقلم: الحاج عمر ديالو - 23 عامًا من الخبرة في الإدارة الشفافة للموارد داخل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي

جدول المحتويات

 

الفساد ليس قدراً محتوماً. فإذا كان يزدهر غالباً في ظل غياب الشفافية وانتشار الإفلات من العقاب، فذلك لأن الأنظمة المفترض أن تحاربه إما مجزأة أو غير فعالة. أمام هذا الوباء الذي ينخر ثقة المواطنين ويعيق التنمية، بات من الضروري تجاوز الخطابات الإنشائية إلى بناء استراتيجية شاملة ومنهجية. تقدم هذه الورقة خارطة طريق تقوم على إصلاحات مؤسسية وقانونية طموحة، تضع الشفافية والمساءلة والاستقلالية في صلب العمل الحكومي.

 

أولاً: وضع أسس استراتيجية شاملة

لا يمكن حصر مكافحة الفساد في الجانب الزجري فحسب، بل يجب أن تقوم على ثلاثية متكاملة: الوقاية والشفافية والعقاب.

1.  غرس قيم النزاهة منذ الصغر

خط الدفاع الأول هو الثقافة. من الضروري إدماج قيم الأخلاق والمواطنة في المناهج الدراسية. بالتزامن مع ذلك، يجب إطلاق حملات توعية للمواطن العادي لشرح الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للفساد، مع العمل بمدونات سلوك واضحة ومطبقة فعلياً في الإدارات والشركات.

 

2.  جعل الشفافية درعاً واقياً

الغموض هو البيئة الحاضنة للفساد. إن إنشاء منصات إلكترونية مفتوحة المصدر للبيانات المتعلقة بالصفقات العمومية والدعم العمومي وتنفيذ الميزانية أمر بالغ الأهمية. يجب أن يكون التصريح بالممتلكات والمصالح للمسؤولين والمنتخبين إلزامياً وقابلاً للتدقيق وعلنياً. كما لا غنى عن وضع نظام قانوني حمائي ومحفز للمبلغين عن المخالفات، لتمكين أولئك الذين يجرؤون على كشف الفساد من القيام بذلك دون المخاطرة بوظائفهم أو سلامتهم.

 

ثانياً: بناء أسوار مؤسسية متينة

إن أية استراتيجية دون مؤسسات قوية تحملها هي استراتيجية مصيرها الفشل. وهذا يستدعي إعادة هيكلة معمقة لأجهزة الرقابة والقضاء.

 

1.  هيئات مستقلة حقاً لمكافحة الفساد

يُعد إنشاء هيئة وطنية موحدة لمكافحة الفساد ضرورة ملحة، بشرط أن تتمتع بثلاث خصائص أساسية:

- الاستقلال القانوني: أن يتم تعيين مديرها لفترة غير قابلة للتجديد، وبأغلبية مؤهلة من البرلمان، بعيداً عن سلطة الجهاز التنفيذي.

- وسائل تحقيق حقيقية: صلاحيات تحرٍّ واسعة، والوصول إلى البيانات البنكية والجبائية، والقدرة على تجميد الأصول المشبوهة.

- تعاون دولي فاعل: الانخراط الفعلي في شبكات التعاون القضائي والأمني الدولي لتعقب الأموال المنهوبة في الخارج.

 

2.  قضاء متخصص ومحمي

إن تعقيد قضايا الفساد (غسل الأموال، التركيبات المالية المعقدة) يتطلب كفاءات دقيقة. يشكل إنشاء أقطاب قضائية مالية متخصصة داخل المحاكم، تضم قضاة وكتاب ضبط وخبراء محاسبين يتم تكوينهم باستمرار، أولوية كبرى.

كما يجب أن يحمي نظامهم الأساسي استقلاليتهم من أية ضغوط هرمية أو سياسية لضمان الفصل في القضايا بنزاهة وتجرد.

 

3.  أجهزة رقابة داخلية معززة

يجب توسيع مهام المفتشية العامة للمالية والمجلس الأعلى للحسابات، بحيث لا تقتصر على مراقبة قانونية الحسابات، بل تمتد إلى تقييم الأداء والنزاهة. يجب أن تكون تقاريرها علنية، وأن تُحال تلقائياً إلى القضاء فور الاشتباه في وجود اختلاس. يكمن الابتكار أيضاً في إشراك المواطنين عبر "مراصد مستقلة للنفقات العامة" تشارك فيها منظمات المجتمع المدني.

 

ثالثاً: صياغة ترسانة قانونية رادعة

يجب أن يكون القانون واضحاً وشاملاً ومُطبَّقاً. يتعين أن تهدف الإصلاحات القانونية إلى توسيع نطاق التجريم وضمان حتمية العقاب.

 

1.  إطار جنائي لا ثغرات فيه

يجب أن يجرم القانون الجنائي جميع أشكال الفساد (الفساد النشط والسلبي، استغلال النفوذ، استغلال الموظف لموقعه، المحسوبية) بشكل شامل. يجب أن تتناسب العقوبات مع خطورة الأفعال وحجم الثراء غير المشروع، مع فرض غرامات تحسب على أساس قيمة الأموال المختلسة. كما يجب أن تكون عقوبة مصادرة الأصول تلقائية، مع إنشاء وكالة متخصصة لإدارة واسترداد الأموال المحجوزة.

 

2.  حماية فعالة للشهود والضحايا

إلى جانب المبلغين عن المخالفات، يجب توفير برنامج حماية حقيقي (جسدي ونفسي) للشهود الرئيسيين في القضايا الحساسة. يمكن ضمان إخفاء هوية بعض الشهود في مراحل معينة من التحقيق، كما يمكن دراسة آليات لمكافأة من تؤدي بلاغاتهم إلى إدانات قضائية.

 

3.  تطهير حقل الصفقات العمومية

تعد الصفقات العمومية المجال الأكثر عرضة للفساد. إن الرقمنة الكاملة للإجراءات (بدءاً من الإعلان عن طلبات العروض وصولاً إلى الصرف) تلغي الاحتكاك البشري المباشر الذي يشكل أرضية خصبة للضغوط والرشاوى. يجب أن تكون معايير الإحالة موضوعية ومحددة مسبقاً، وأن تخضع الصفقات الكبرى لمراقبة قبلية، مع مراقبة بعدية عبر عينات عشوائية.

 

4.  تطهير الحياة السياسية

لا مكان للأموال القذرة في السياسة. من الضروري العمل على:

  • وضع سقف صارم للتبرعات الواردة من الأشخاص الطبيعيين، ومنعها نهائياً من الأشخاص الاعتباريين (الشركات).

-  نشر حسابات الأحزاب السياسية والحملات الانتخابية وإخضاعها لرقابة هيئة مستقلة.

- منع أي تبرع مجهول المصدر وتتبع مصدر الأموال.

 

رابعاً: إجراءات قطاعية محددة

بعض القطاعات الأكثر عرضة للخطر تتطلب تحركاً خاصاً:

-  الجمارك والضرائب: التدوير الإلزامي للموظفين، مراجعات مفاجئة، والتعيين عبر المسابقات.

-  الصحة: تتبع دقيق لسلسلة شراء الأدوية والتجهيزات، وشفافية علاقات المنفعة للخبراء.

-   التعليم: تطبيق مبدأ الجدارة في القبول والتعيينات، وشفافية إجراءات توزيع الأساتذة.

 

خاتمة: الإرادة السياسية هي حجر الزاوية

تبقى كل هذه الإصلاحات، مهما بلغت دقتها، حبراً على ورق دون إرادة سياسية حقيقية ومستمرة على أعلى مستوى في الدولة. إن مكافحة الفساد ماراثون طويل الأمد، وليست عدو سرعة. إنها تتطلب استقرار المؤسسات، وإشراكاً فاعلاً للمجتمع المدني ووسائل الإعلام الحرة، وتعاوناً دولياً لا هوادة فيه لملاحقة الملاذات الضريبية الآمنة. فببناء هذه "المنظومة المتكاملة للنزاهة"، لن نكتفي بمعاقبة المجرمين، بل سنبني دولة قانون أكثر صلابة، واقتصاداً أكثر سلامة، ومجتمعاً أكثر عدالة. لم يعد الوقت مناسباً للحلول الترقيعية، بل حان موعد إعادة تأسيس عميقة لعقدنا الاجتماعي.

الأحدث