تخطى الى المحتوى

على هامش زيارة الزاوية الحموية بانيور

جدول المحتويات

تشرفت في الأيام القليلة الماضية بزيارة الخليفة العام للزاوية الحموية الأم بمدينة انيورو الساحل ( 60 كلم جنوبي الحدود المالية مع موريتانيا) الشريف الشيخ محمدُّو بن شيخنا أحمده حماه الله الشريف . وهو شخصية إسلامية بارزة في دولة مالى و غرب افريقيا عموما.

 

و يعتبر الخليفة الشيخ محمدُّو شيخنا حماه الله من أهم القادة و الزعماء المسلمين المؤثرين  في واقع الإسلام و المسلمين في هذا الزمان و إحدى أهم مرجعيات السلم و الأمن في المنطقة بشهادة الجميع.

 

و يتزعم الشيخ محمدُّو خلافة الطريقة الحموية التيجانية اليوم ،وهي إحدى الطرق الصوفية الأبرز و الأظهر تأثيرا في بعض دول غرب إفريقيا منذ ظهورها و انتشارها قبل قرن من الآن ( و تحديدا خلال  الفترة 1902 م   – 1909 م ) ، حيث تسلّم زعامتها الروحية والده المباشر و الشريف التيشيتي الشاب الشيخ أحمده بن محمدو بن سيدناعمر من شيخه الجزائري من أصول تونسية الشيخ سيدى محمد بن عبد الله ( الملقب الأخضر، و المتوفى بمدينة انيورو الساحل سنة 1909 م) وقام برحلته التاريخية الشهيرة من شمال افريقيا بالجزائر حتى حط عصا السفر في السودان الغربي( اسم يطلق على مالي في عهد الاستعمار) ، في مهمة مقدسة تمت بتكليف خاص من الشيخ سيدي الطاهر بوطيبة التلمساني ، الذي يصنف ضمن الشخصيات البارزة في الطريقة التيجانية ، حيث اشتهر كخليفة للزاوية التيجانية بمدينة “تلمسان” ، كما أنه أحد الخاصة المفتوح عليهم في هذه الطريقة التيجانية … وقد شهد له بالوصول للخلافة الأحمدية التجانية وبالتقديم العام من الشيخ الصوفي الكبير الشريف أحمد بن محمد التيجاني رضي الله عنه ، وعلى يديه – أي الطاهر بوطيبة التلمساني –  اشتهرت الطريقة بنواحي تلمسان ومما يقال عنه إنه صاهر الشيخ  التيجاني رضي الله عنه وحج معه واعتمر ، و توفي سنة 1295 هجرية  و ضريحه معروف و يزار “(كشف الحجاب ص 114 .. و للمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع لمقالنا   وهو متاح على شبكة المعلومات الدولية الانترنت  ، بعنوان :” عن التصوف المجاهد في غرب افريقيا الحموية نموذحا”).

 

و منذ ظهور الطريقة الحموية التيجانية  فإنها ظلت قبلةً و  مثابةً للعلماء و الفقهاء و الصلحاء والأكابر في عموم المنطقة ، حيث توافدوا عليها و اندرجوا في الانتماء لها ، الشيء الذي أزعج المستعمر الفرنسي الذي كان يستعمر المناطق الغرب افريقية في ذلك الوقت و بدأت مرحلة من الاستهداف المكشوف و المباشر للطريقة و شيخها و مقدميها و عامة مريديها .

فمثلا فإن زعيم الحموية الشيخ الشريف أحمده حمى الله قد تعرض للاعتقال و النفي القسري في مالي و السنغال و ساحل العاج و موريتانيا خلال الفترة (1925-1935 م) ، ثم تكرر المشهد نفسه بعد ذلك  إلى موريتانيا و الجزائر و فرنسا  في سنة 1941 م.

 

و إثر ذلك تم هدم مقر الزاوية  و تسوية منازل الشيخ في المدينة  بالأرض بعد نهبها  و تم اعتقال أسرة الشيخ  و العدوان عليها بوحشية و صلافة ، كما تم أسر أتباعه في معتقلات جماعية ، و صدرت قرارات و تعليمات فورية نافذة بنفي رموز الطريقة من مقدمين و أعيان و علماء إلى مناطق نائية في شمال مالي ليموت الكثير منهم هناك في أحوال بالغة القساوة.

و بعد ذلك أعلن المستعمر الفرنسي وفاة الشيخ حماه الله في فرنسا في ظروف غامضة سنة 1943 م دون أن يقدم أدلة أو براهين واضحة كالجثمان مثلا أو المتعلقات الشخصية للشيخ كملابسه و سبحته ..الخ، و ذلك في ظل حكومة بيير لافال  العميلة للاحتلال الألماني النازي لفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية.

 

و  الخليفة الحالي للحموية الشيخ محمدُّو شيخنا أحمده حماه الله هو آخر أنجال الشيخ حماه الله الأحياء و قد ازدهرت الطريقة على يديه و تضاعفت أعداد مريديها و أتباعها في دولة مالي و الدول المجاورة ( تذهب بعض التقديرات غير الرسمية أن الحاضنة الحموية  من مريدين و محبين تبلغ حوالي الثلاثة ملايين في جمهورية مالي  فقط).

 

و هو أحد المصلحين الكبار و الدعاة الوسطيين المعتدلين المتميزين للدين الإسلامي  الحنيف و له نفوذ متعاظم و هيبة و مكانة مؤثرة في الرأي العام في دولة مالى ، و باتت العاصمة الروحية للحموية ( ولاية انيورو الساحل) هي العاصمة الثانية للدولة تقريبا في تأثيرها الروحي و السياسي في الدولة ، و لهذا فإن الجميع من مدنيين و عسكريين و قادة رأي و زعماء دينيين و مجتمع مدني من كافة انحاء البلاد و غيرهم ، كل هؤلاء لا بد أن يسجّلوا حضورهم  في هذه العاصمة الروحية للحموية  لزيارة الخليفة الشيخ محمدو ، الذي يلقبه الإعلام في مالي ب” أشرف الشرفاء“.

 

كما أنه يقوم بدور إصلاح ذات البين بين الشعوب و الأقوام على جانبي الحدود ، و كثيرا ما ينجح في حل المشاكل المستعصية التي تحدث بين الفينة و الأخرى ، و لا تستغني السلطات في مالي و موريتانيا عن جهوده و مؤازرته لأي موضوع يعنيها  في المجال الحيوي للحموية.

 

لقد كانت مناسبة زيارتي للوالد  الفاضل والمربّي الكبير و الخليفة الشيخ محمدو شيخنا حماه الله فرصة مهمة للحديث له عن جامعة العلوم الإسلامية بالعيون و كلياتها و تخصصاتها و الأدوار المنوطة بها  و الانتظارات التي من المؤمل أن تحققها لفائدة الشعب و الدولة باعتبارها أول تجربة للامركزية التعليم العالي في موريتانيا.

 

كما سعدتُ بحضور يومي لمذاكراته و محاضراته و دروسه في فضاء الزاوية الحموية  ، حيث تنقل مباشرة عبر الأثير مصحوبة بترجمة إلى اللهجة الإفريقية  المحلية ، وهي دروس علمية في غاية الإمتاع و الإفادة  و الشمول و التنوع  ، و تبدأ بقراءة  أحزاب من القرآن العظيم و التدبر في آياته و مواعظه ، ثم تستعرض فصولا من التصوف السني و تناقش بعض رؤى  و مرويات الصالحين و الزهاد و العباد قديما و حديثا ، و كذلك بعض تاريخ الحموية و جهادها السلمي و دورها في نشر الإسلام و الثقافة العربية ، و بين هذا و ذاك قصائد شعرية فصيحة دعوية روحية مع ذكر الله ذكرا كثيرا و متواصلا يأخذ بتلابيب الروح إلى أجواء إيمانية تعز عن الوصف.

 

 

الأحدث