تخطى الى المحتوى

في تأبين رجل من الرعيل الأول

جدول المحتويات

توفي أمس في قريتنا شيخي وابن عمي العابد الزاهد الورع محمد محمود بن الشيخ بن محمد سيدي.

 

كان رحمه الله أعجوبة من أعاجيب هذا الزمان. يشبه جيل الصحابة رضي الله عنهم في سمته ودله وطريقة تعلمه.

 

فقد كان شبه أمي لا يقرأ الكتب ولا يكتب في الألواح والدفاتر، وإنما كان أخذه للعلم بالسماع حتى إنه طلب منه قاض – وقد شهد عنده – أن يوقع فقال لا أعرف التوقيع فقال اكتب اسمك فقال ما أحسن كتابة اسمي!

 

ومع ذلك فقد حفظ القرآن حفظا غير منظم، فكأنه حفظه قبل أن يجمع ويرتب في مصحف واحد.

 

سئل فقيل له: يا شيخ أتحفظ القرآن فقلب يده ظهرا لبطن، يعني بين بين.

 

ويحكى أن أمه رأت في المنام أن عندها مصحفا أوراقه غير مرتبة، وهذه الرؤيا أفضل تعبير عن حفظ الشيخ للقرآن.

 

كما كان يحفظ كثيرا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم

 

أما تفسير القرآن وإعرابه فكان آية من آيات الله فيهما، قد وعى كل ما في كتب التفسير المتداولة في بيئته كالجلالين وحاشية الجمل عليه والنسفي والخازن وابن جزي.

 

كنت كلما أشكل علي تفسير آية أو إعرابها أقف على باب المسجد فأمسكه وهو خارج فأسأله فأجد جوابا شافيا.

 

لم تكن له عناية ولا اهتمام بغير نصوص الوحيين من علوم الناس فألهمه الله فيهما فهما ثاقبا وذكاء حادا وبصيرة وفقَّهه في دينه، عطاء من الله بلا كد ولا تعب. والله يؤتى فضله من يشاء.

 

ولشدة تعلقه بالقرآن ومراسه له لا يحسب أن أحدا يسمع القرآن فلا يفهمه.

 

حدث عنه أحد زملائه أنهم كانوا ضيوفا عند رجل من عامة أهل البادية فجاءت امرأته تشكو أنه كلما طلقها أخذ ناقة كان قد أصدقها إياها، قال: فالتفت إليه الشيخ مغضبا قائلا أمجنون أنت إن الله يقول { إِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} رافعا نبرة صوته بالنهي والاستفهامين.

 

أما الزهد في الدنيا والإقبال على الآخر فحدث ولا حرج، فقد كان من الذين يعلمون الذين قال الله فيهم: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه.

 

معلق القلب بالمسجد لا يكاد يدخل ثلث الليل الآخر إلا وهو في المسجد، يسبق المؤذن إلى المسجد غالبا، وقد يتولى الأذان بنفسه.

 

يصدع بما يراه الحق، لا يخاف في الله لومة لائم.

 

منذ شبابه يدعو إلى الرجوع إلى الوحيين ونبذ التقليد الأعمى والتعصب المذهبي وله في ذلك صولات وجولات من أطرفها ما حدثنا أنه كان يوما في نقاش مع بعض الشيوخ حول التقليد وحرمته ووجوبه وطال النقاش جدا فخاطبه الشيوخ في ختام الجلسة قائلين: لا نقول لك إلا أنه يجب عليك تقليد مالك ويحرم عليك الخروج عن مذهبه، قال فلم أتمالك أن قلت: { أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ}.

 

وما إن أنهيت الآية حتى ندمت على إيرادها وشعرت أني قسوت.

 

رحم الله شيخنا محمد محمود رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وغفر لنا وله إنه سميع قريب مجيب.

 

كتبه محمد بن أحمد جدو ليلة تسع وعشرين من رمضان سنة 1440 من الهجرة النبوية في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء.

 

الأحدث