جدول المحتويات
مهلا على رسلك فإني أقصد بالعلمانية هنا معناها الأصلي المحايد الذي يعني الشيء الدنيوي أو العادي، ولا أقصد معنى الترجمة العربية غير السليم لفظا وغير الدقيق معنى، ولا معنى مرادفها الفرنسي الذي لا يخلو من ميل للتعصب والانحياز ضد ما كل ما هو ديني على العموم وضد كل ما هو إسلامي على الخصوص. وأقصد بالمقاصد الشرعية ما عبر عنه الأصوليون بالضروريات والحاجيات والتحسينيات. وأقصد بالمركب منهما أن ترتيب المقاصد الشرعية المذكور ليس مبنيا استقلالا بالضرورة على الحكم الشرعي التكليفي؛ الواجب والمحرم والمستحب والمكروه والمباح، وإنما هو مبني مع الحكم الشرعي على نظرة واقعية مادية دنيوية بحتة مبنية على أهمية كل شيء في واقع الحياة وضرورته أو عدم ضرورته بالنسبة لمعايش الناس.
ومن هنا يستشكل بعض الدارسين كون السابقين الأولين في باب المقاصد مثل الجويني والغزالي ومن تبعهم يكادون يجمعون في الواقع على ضرب أمثلة على الحاجيات والتحسينيات ببعض الأفعال المأمور بها والتروك المنهي عنها مع أن حكم الأولى الوجوب وحكم الثانية التحريم، فيتساءلون كيف يكون منع أكل لحم الخنزير في ترتيب المقاصد من التحسينيات وفي حكم الشرع التكليفي من أكبر المحرمات؟! وكيف تكون الطهارات أو بعض أنواعها في باب المقاصد من التحسينيات وفي حكم الشارع من الواجبات، وكيف يكون استقبال القبلة بالنسبة للصلاة من الحاجيات، ومن حيث حكم الشرع من الفرائض الواجبات؟ وكيف يمكن أن يكون تناول المحرمات عند الحاجة الملحة القاهرة من حفظ النفس الذي هو من أهم الضروريات، مع أن حكمه عند كثير من الفقهاء لا يتجاوز حدود الإباحة، فالضرورات تبيح (ولا توجب) المحظورات؟ وكيف يصح رفع تصنيف البيوع والتبادل التجاري بين الناس حتى يرقى إلى الضروريات، مع أن حكم البيع والشراء في الأحوال الاعتيادية لا يتجاوز الإباحة. ويلتقي الحكمان؛ الديني بالوجوب، والدنيوي بالضرورة، إذا أخذنا بنظرة الشاطبي الإبداعية التي ميز فيها بين ما هو مباح بالجزء واجب بالكل، وهي قاعدة تنطبق على البيوع التي يمكن أن نقول إن حكمها الطبيعي بالنسبة لآحاد الناس الإباحة، وأما حكمها بالنسبة إلى عموم البشرية فهو شرعا الوجوب وواقعا الضرورة.
ويمكن أن يجاب عن هذا الاستشكال بأحد جوابين؛ فإما نوحد التقسيم بحيث نجعل سلم المقاصد الشرعية مساويا أو مطابقا لسلم الأحكام الشرعية التكليفية، فيكون فعل كل واجب وترك كل محرم شرعا من الضروريات المقاصدية سواء تعلق بالدنيا أو الدين، كما أنه في المقابل يكون حكم كل ضروري من الأفعال والمقاصد الدينية أو الدنيوية الوجوب، ويمكن التعبير عن هذه القاعدة بالقول إن كل ما هو واجب فهو ضروري وكل ما هو ضروري فهو واجب. وليت الأمر كان بهذه السهولة، لأن واقع الفقه والحياة يفرض عكس ما تقول القاعدة السابقة في بعض الأحيان. وإما أن نميز بين ترتيبين مختلفين للحكم على الأشياء والأعمال؛ الترتيب الأول ترتيب ديني شرعي مبني على غايات الشارع وعلى علم الله تعالى الأزلي الأبدي، وعلى هذا الأساس تترتب الأحكام التكليفية حسب درجة اقتضاء الفعل أو التخيير فيه، وأما الترتيب الثاني فهو ترتيب دنيوي واقعي مادي أو إن شئت صفه بأنه “علماني” وهو ترتيب مقاصد الشرع إلى الرتب الثلاثة المعروفة لا بناء على الحكم الشرع وحده، وإنما هو بناء على ضرورة الفعل في واقع الناس أو عدم ضرورته، بناء على حاجة الناس الظاهرة إليه وإمكان أو عدم استقامة الحياة به أو بدونه مع مشقة أو دون مشقة خارجة عن المعتاد.
ولم أجد أصرح في تأكيد هذا المعنى من اعتراض الشيخ الطاهر بن عاشور على تصنيف حفظ العرض ضمن الضروريات مع علماء المقاصد يكادون يجمعون على ذكره من الضروريات الخمس مع حفظ النسل أو دونه، ووجه اعتراضه أن حفظ النسل مفهوم تصنيفه ضمن الضروريات لأنه يترتب عليه بقاء البشرية الدنيوي الظاهر، فضرورته للحياة ضرورة دنيوية واضحة، وأما حفظ العرض رغم وجوبه شرعا فقد اعترض على تصنيفه ضمن الضروريات لأنه وإن كان بفقده تفقد الإنسانية عنصرا شرعيا وأخلاقيا مهما إلا في واقع الحياة لا يرقى – من وجهة نظره – إلى رتبة الضروريات لإمكان استمرار الحياة بدونه وإن مع اعوجاج.
ومن الأمور النادرة التي لم يوفق فيها الشاطبي على جلالة قدره ومكانته في المقاصد، أنه عندما نقرأ تعريفه لكل من الضروريات والحاجيات والتحسينيات نجده يصرح بانبنائها على استقامة وصلاح الدين والدنيا معا وإن كان في التفصيل والشرح والأمثلة يركز على الجانب الدنيوي، وظاهر هذه التعريفات أن كل ما هو ضروري للدين أو للدنيا فهو واجب، كما أنه أشار في مواضع أخرى إلى أن كل ما هو واجب فهو ضروري عندما قال إن أفضل الوسائل للكشف عن مقاصد الشريعة الضرورية هو أن ننظر في أوامر الشريعة الابتدائية التصريحية التي تعبر عن المعنى الأصلي الأولي المقصود من طلب الشارع، ولو طبق هذا المبدأ على جميع الفروع والأمثلة لما كان عليها أي اعتراض، ولكن ما يلفت النظر أنه عندما جاء للأمثلة وقع فيما وقع فيه سابقوه من ضرب أمثلة ترفع حكم بعض الحاجيات والتحسينيات إلى درجة الوجوب، وتقلل من الأهمية الشرعية لبعض الضروريات حتى لا تتجاوز حكم الإباحة، ولم أر خروجا من هذا الإشكال غير التفريق بين الترتيب الدنيوي للمقاصد، والترتيب الشرعي للأحكام. والأحكام وإن كانت مبنية على المقاصد فإنها فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل ما يراه الإنسان بعلمه المحدود مقصودا هو نفسه مقصد الشارع الحقيقي الذي هو مبني على اعتبارات ومآلات بعضها خفي وبعضها غيب مطلق وبعضها غيب نسبي. وأي مانع يمنع من أن يجعل الشارع بعض التحسينيات في نظرنا في رتبة الوجوب في علم الله، وبعض الضروريات في نظرنا في رتبه الجواز أو الاستحباب في علم الله.؟