تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

عددوا ما عرفوه عنه من خيرة الأعمال وما خفي أعظم، جاء الجميع ولا حق لأي كان في التغيب عن عزاء رجل لا يرحل مثله عن الدنيا كل يوم، جاء جيران البيت، جماعة المسجد، رفاق الدرب، أصدقاء العمل، والغريب جاء الشباب ليشهدوا لشائب بما كان من الحق وبما عرفوه رغم اختلاف السن.

 

شهد الجميع بجماله، نعم جماله كان جميل الأخلاق فجمع منها أحسنها ووزعه على البعيد قبل القريب.

 

تكلموا عن صدقه، أمانته، طيبته، إيمانه وكرمه ثم هل لعدد مزاياه نهاية؟

 

شهدوا له بتصدقه الدائم على السائلين والأطفال، شهدوا له بحضور لا يحول دونه شيء في صفوف المصلين في بيت من بيوت الله طالما جمعهم، شهدوا له بلسان رطب بذكر الله، شهد له كل من عرفه بحسن المعشر أطال زمن تلك المجاورة بينهم أم قصر كان رجلاً على رأي المثل الحساني "ألف ليلة منة كليلة واحدة".

 

قال معارفه هذا عنه فماذا يقول ابنه؟ أنا لا أملك سوى الحب الذي أحمله بقلبي له والاحترام الذي تفرضه هيبته، لكن دعوني أحدثكم قليلا عن عمله وهي – لعمري- مسيرة مهنية يحق للموريتانيين عامة والإعلاميين منهم خاصة أن يفخروا بها.

 

كان رحمه الله أحد أعلام الصحافة الموريتانية، وهو المدير المؤسس لجريدة "الشعب" اليومية التي أصدرتها الشركة الوطنية للصحافة تحت إدارته 1975، كان الفقيد معروفا بالتحلي بكل أخلاقيات المهنة، وتمكنه العالي من ممارسة عمله الميداني كمراسل صحفي، أو الإداري حيث برع في تسيير المناصب التي تقلدها في المؤسسات الصحفية. كانت بداياته في الحقل الصحفي سنة 1963 عبر الإذاعة الوطنية. فكان الرجل المناسب في المكان المناسب فمعرفته بأبجديات صاحبة الجلالة لم يأت وليد الصدفة إنما نتيجة سنوات من الدراسة فقد تلقى تكوينا في معهد للصحافة بمدينة (ليل) الفرنسية. مع نهاية الستينات وبداية السبعينات و تحديدا بين 1969 و1971 ترأس تحرير الأخبار وعين مديرا للبرامج. وكشهادة دولية على استحقاقه اختارته وكالة رويترز ليكون مراسلها في موريتانيا في الفترة ما بين 1969 و1976. وخلال تلك الفترة عين نائبا لمدير الصحافة المكتوبة. بعدها ومن سنة 1978 إلى سنة 1989 اختار المرحوم محمد يحظيه ولد العاقب أن يكون مراسلا للوكالة الموريتانية للصحافة في مدينة كيهيدي. ثم كان أول مدير للتلفزيون الموريتاني حتى 1990. واشتهر بمراسلاته الإذاعية حينما كان يرافق رئيس الجمهورية المرحوم المختار ولد داداه في جولاته الخارجية الذي ظل وفيا له حتى بعد الانقلاب ولكنها رفقة وحب لم يمنعاه أن يكون موضوعيا كصحفي مع الرجل فكان هو من أعطى خبر الاستفتاء الديغولي للمحطة الدولية التي يعمل لديها وهو السبب الذي جعله يفقد وظيفته في موريتانيا، كما سبق له وسأل المختار رحمة الله عليهما في لقاء مباشر عن إمكانية رجوع الهاربين من الوطن بحثاً عن الحريات من عدمها حين حدثه هذا الأخير عن الانفتاح السياسي الوليد للبلد. ثم إن شهرته لم تتجاوز المعنيين، فقد كان رحمه الله قليل الصور لا يبحث عن الأضواء أو البرستيج رغم أنه مارس هذه المهنة بنبلها الذي وجدت به فقد كان يمنح من عمره وجهده وصحته و حتى من جيبه ليبني صحافة هذا البلد كما فعل حين طرد الصحفي الفرنسي الوحيد وإياه آنذاك بعدما رأوا منه عدم احترام لهذا الشعب وتكلف رحمه الله بالقيام بكل ما يتطلبه الأمر رغم المشقة والصعاب ولم يطلب مقابلا فما بالك بالبحث عن غير ذاك من العطايا. ثم إنه عرف ببرقياته المهنية لرويترز والبي بي سي والوكالة الموريتانية للصحافة كما حصد الكثير من الجوائز والأوسمة الوطنية والدولية.

 

سياسياً صوت للرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز لا لشيء إلا لأنه طرد السفير الإسرائيلي ولذلك منحه صوته وهو أمر أشهد له به بين يدي الخالق وهو أمر أيضاً تعرفون جميعا ما يعنيه.

 

حين عزل المرحوم المختار ولد داداه وتنكر له الكثيرون ظل هو وفياً له ولغيره من أعضاء نظامه الذين تعرضوا للمضايقات، ذاد عنهم بصوته وماله وكان نعم الصاحب والسند.

 

كان أيضا قوي الشخصية بشكل ملحوظ ومعترف به وكان شجاعاً لا يجامل في مهنته، كما عرف رحمه الله بكثرة الذكر فكان اسم الجلالة يطغى في كل أحاديثه مهما اختلفت وبذاك نشهد ولا نزكي على الله أحداً.

 

رحمه الله وجعل الفردوس الأعلى مثواه وجمعنا وإياه في جوار المصطفى الحبيب.

 

حين رحل فقدت موريتانيا رجلا قل أن يجود الزمام بمثله، فقدت أنا والدي وفقد الحقل الصحفي فارسه فإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

لا نقول إلا ما يرضي الله ولا نجد في تأبينه مفردة واحدة ترقى للتعبير عن حجم اللوعة التي خلفها فراغه، لكنه رحل وإنا لفراقه لمحزونون. هي الدنيا دار فناء ولو كان بها خير لما غادرها الحبيب المصطفى ولا يحضرني في هذا المقام إلا "الگاف":

الدنيا يمالك لملاك *** لو كانت تبق محق

يبق فييان منها ذاك *** يغير الدنيا ما تبق

 

الأحدث