جدول المحتويات
إنها كلها الجرائم التي لا تُنسى أو يتم تجاوزها بالتقادم و التغاضي.
و إذ البلدان التي امتنعت، بفضل الثورة التنويرية الجديدة التي طلت العقول، عن مثل هذا الصمت على ملفات حقوق الإنسان فيها و طرحت بشجاعة كل قضاياها العالقة على طاولة التناول بالنقاش و الحوار و التوجه إلى التسوية و الحلول قد نجحت في إعادة البناء على أسس المساواة و العدالة و اللحمة و الوحدة، فإن التي ما زالت الأنظمة و الأحكام فيها تتلكأ عن مثل هذا التوجه السليم و لا تكترث للمد العالمي باتجاه التخلص من مثلها و ردع الشعوب داخلها عن التمسك بعقلية الأعراق السامية و التفاوت الطبقي الذي ينتمي إلى عصور خلت و عقليات ماتت. و إن المنظمات الحقوقية التي بدأت تنتشر في أجسام هذه الدول كالنار في الهشيم هي إعلان صريح للحرب على هذا الداء العضال الذي يمنع الإنسانية كلها من التمتع بحقوقها متساوية و العيش بكرامة و عطاء علما بأنها حقوق الجميع المترابطة و المتآزرة وغير القابلة للتجزئة و التي يجب أن تنال على قدم المساواة وبدون تمييز.
و قد ورد مصطلح "حقوق الإنسان" مرات سبع في الميثاق التأسيسي للأمم المتحدة، مما يجعل تعزيز هذه الحقوق وحمايتها غرضا رئيسا ومبدأ توجيهيا أساسيا لهذه المنظمة الأممية. و أما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فقد دخل في مجال القانون الدولي سنة 1948، و مازالت منذ ذلك الوقت هذه المنظمة العتيدة تعمل بتفان على حماية حقوق الإنسان من خلال الصكوك القانونية و الأنشطة الميدانية التي تساعدها على تحقيق ذلك و متمثلة في ترسانة من الآليات التي تريد الإحاطة بمجمل أوجه الأمر الحقوقي المتشعب، و من هذه الترسانة الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، الديمقراطية، الهيئات الأممية المسؤولة عن حماية حقوق الإنسان، مجلس الأمن، اللجنة الثالثة التابعة للجمعية العامة،الجمعية العامة، المجلس الاقتصادي و الاجتماعي، منتدى قضايا الشعوب الأصيلة، جهاز التنمية و السلم و الأمن و حفظ السلام و الشؤون الإنسانية، الهيئات المتعلقة بمعاهدات حقوق الإنسان، آلية تعميم مراعاة حقوق الإنسان، مجلس حقوق الإنسان، الأمين العام و ممثلوه عن، الأطفال و الصراعات المسلحة، العنف الجنسي في حالات النزاع، العنف ضد الأطفال، و اللائحة طويلة.
و لإن كانت ظروف الحروب و الثورات التحررية من الاستعمار الخارجي في بعض الدول و على الأحكام الاستبدادية التسلطية و الأنظمة الرجعية و الإقطاعية في بعضها الآخر عواملُ ظلت طويلا تمنع انتصار منطق و مبدأ انتشار حقوق الإنسان كما نصت عليها المواثيق الأممية و أوجبت العمل بمقتضاها على أرض الواقع، فإن واقع الشعوب المغلوبة على أمرها و في اللب منها و تحديدا الشرائحُ الدونية هو مسوغ بأوجه متنوعة من الحيف اجتمعت كلها و بما تمثله انعكاساتها الخطيرة على حياة الأشخاص النفسية و المادية ليبقى تحقيق هذه الأهداف بطيء التحقيق و أحوال المظلومين تعاني شتى أصناف الظلم بأدوات القهر التي لا تعرف هي الأخرى تناقصا أو نهاية.
و إنه بالنظر إلى هذا فإن انفتاح موريتانيا على المنظمات الحقوقية بمن فيها العربية و القارية و قبولها نقاش كل الملفات المتعلقة بوضعها الحقوقي ـ الذي هو رغم الذي يروج حولها ليس بأخطر مما هو الحال عليه في كثير من بلدان العالم ـ و العمل على تسويتها بما يتماشى و المواثيق الدولية، لا بد أن يؤتي أكله و تتناقص بموجب ذلك الفجوات بين شرائح المجتمع باتجاه توزيع العدالة على الجميع و التوجه إلى الاستقرار و اللحمة و بناء المستقبل المشترك في ظل ما سيفرضه أيضا ذلك من الديمقراطية الحقة و مرونة الديبلوماسية التي ستقدم حينها للبلد سمعة طيبة و تشيد سورا من الأمن قويا و ثابتا.