تخطى الى المحتوى

ورقة حول القانون المتعلق بالعنف ضد النوع

جدول المحتويات

 

1-   عدم الدستورية ومخالفة الشريعة الإسلامية:

لا شك أن الدستور الموريتاني نص في ديباجته على (تمسكه بالدين الإسلامي الحنيف)، وسعيه لـ(خلق الظروف الثابتة لنمو اجتماعي منسجم، يحترم أحكام الدين الإسلامي المصدر الوحيد للقانون)، ونص في مادته الأولى على أن: (موريتانيا جمهورية إسلامية)، ونص في المادة: 5 على أن: (الإسلام دين الشعب والدولة)، وهي مبادئ تجعل كل قانون لا ينسجم مع أحكام الشريعة الإسلامية السمحة غير دستوري، وتتجلى مخالفة مشروع القانون الذي بين أيدينا للشريعة الإسلامية فيما يلي:

 

– نص المادة 7 على أن عقوبة المغتصب المحصن –عند الاقتضاء- هي الإعدام، ومعنى عند الاقتضاء هنا أن يكون الاغتصاب من الأفعال الموجبة للحد، وبالنظر للمادة 12 من القانون الجنائي التي تنص على أنه: (ينفذ الإعدام رميا بالرصاص) ندرك مخالفة هذا المقتضى للشريعة الإسلامية، حيث يتعين أن يكون الإعدام رجما في حالة الزاني المحصن سواء كان زناه اغتصابا أو رضائيا.

 

– تنص أيضا المادة: 9 من المشروع على أن الحكم بالإعدام جلدا سينطق به على مرتكب الزنا سواء كان متزوجا أو مطلقا، والمقصود هنا هو الزاني المحصن، ومعلوم أن عقوبته الشرعية هي الإعدام رجما، وليس جلدا.

 

 – تنص المادة: 10 من المشروع على أن عقوبة زنى المحارم هي الإعدام، وهو وإن كان أحد قولين عند الحنابلة، إلا أن جمهور العلماء على أن زنى المحارم هو كغيره من الزنى في العقوبة وإن كان إثمه أشد

 

– نصت المادة: 11 من المشروع على أن ضرب الزوجة أو جرحها أو ممارسة العنف عليها بدنيا أو معنويا أو نفسيا يعاقب بالحبس من شهرين إلى 5 سنوات، ومعلوم أن الشريعة الإسلامية تبيح الضرب التأديبي إذا توفرت شروطه، وغلبت على الظن فائدته، ولم يتجاوز الحد، قال خليل: (ووعظ من نشزت ثم هجرها ثم ضربها إن ظن إفادته وبتعديه زجره الحاكم)، فالضرب التأديبي – عند توفر شروطه – الذي لا يجرح ولا يترك أثرا، هو من صنوف السلطة التأديبة التي أعطى الله للزوج قال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن)، فالأولى تقييد هذا النص بالضرب الخارج عن الضوابط الشرعية.

 

– نصت المادة: 16 من المشروع على أن فرض السلوك أو التصرف على الزوج أو الزوجة يعاقب بالحبس من 6 أشهر إلى سنة، ومعلوم أن الشريعة الإسلامية تكلف الزوج بالقوامة على الأسرة، وقد قرر الشرع بجميع مصادره حق الزوج على الزوجة بالطاعة، إذ عليها أن تطيعه في غير معصية، ففي الحديث الشريف ( إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها )، وفي الحديث أيضا (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) وقال تعالى: (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا)، ثم ما الضير في أن يفرض الزوج على زوجته سلوكا قويما مادام غير مخالف للشرع، إذ ليس له أن يفرض عليها غير ذلك، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الطاعة في المعروف) وقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).

 

– نصت المادة: 19 من المشروع على أنه يعاقب بالحبس من سنة إلى سنتين كل زوج يمنع أو يقيد شريكه عن ممارسته لحرياته العامة، وبالرجوع لنص المادة 10 من الدستور نجد أنها في تعدادها للحريات العامة تذكر منهم: (حرية التنقل والإقامة في جميع أجزاء تراب الجمهورية، وحرية دخول التراب الوطني وحرية الخروج منه، وحرية الاجتماع)، وهي حريات لا تقيد إلا بقانون، وكان قد قيدها قانون الأحوال الشخصية بمنح القوامة للرجل، فقد أجاز الشرع للزوج – بمقتضى القوامة – منع زوجته من الخروج – لغير ضرورة أو واجب شرعي – بغير إذنه، وقد ورد في الحديث: (إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن)، و(لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، فتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن دليل على أن الخروج لا يكون إلا به.

 

ثم إن ما يخشى منه هو شطط الزوج في استخدام سلطة القوامة – وهو أمر ممنوع قطعا – والأولى بالقانون أن يتيح تظلما قضائيا يحمي الزوجة من الشطط بدل إلغاء القوامة.

 

– تنص المادة: 21 من المشروع على عقاب الولي الذي يزوج ناقص الأهلية بالحبس من 6 اشهر الى 5 سنوات إذا كان قد تصرف لمصلحته، والأولى أن يقيد ذلك بمصلحة الولي الظاهرة المحض المتعارضة مع مصالح ناقص الأهلية، حتى لا يكون ذلك ذريعة لمنع الولي من السلطة التقديرية الممنوحة له – بمقتضى الشرع – في تزويج ناقص الأهلية مراعاة لمصلحة راجحة.

 

– نصت المادة: 38 من المشروع على افتراض صدق شهادة امرأة وقعت ضحية اعتداء جنسي حتى يثبت العكس، وهو أمر يفتح الباب واسعا لتوريط الناس، وتصفية الحسابات، فضلا عن مخالفته للشريعة ففي صحيح مسلم عن ابن عباس-رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعطى الناس بدعواهم لأدعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) صحيح مسلم، فالأولى أن يقال إن دعواها المجردة ترد بيمين المدعى عليه.

 

– تعطي المادة: 53 من المشروع للمنظمات العاملة في مجال محاربة الاعتداءات القائمة على النوع الصفة في الانتصاب طرفا مدنيا، ورفع دعوى نيابة عن المرأة في هذا المجال، والأولى أن تكون هذه النيابة اتفاقية بتوكيل من المرأة بدل أن تكون قانونية مطلقة، لأن منح الصفة للمنظمات دون توكيل يفتح مجال التدخل في الشؤون الخاصة للأسر دون إذن أهلها، وهو فضلا عن ذلك مخالف لنص المادة: 13 من الدستور التي تنص على أنه: (تضمن الدولة شرف المواطن وحياته الخاصة وحرمة شخصه ومسكنه ومراسلاته).

 

2-   مصطلحات تحيل لمعان غريبة على المجتمع والدين:

تضمن النص مجموعة من المصطلحات التي تحيل على معان غريبة على المجتمع، وغير مقبولة في الدين، ومن ذلك مثلا:

 

– ورود مصطلح (العنف ضد النوع)، (العنف القائم على النوع)، والنوع في المصطلح هو نوع الجنس أو الجنوسة أو الجندر: Gender وهو الجنس السوسيولوجي الاجتماعي ، وهو فلسفة غربية جديدة تتبناها منظمات نسويّة غربيّة استطاعت أن تخترق مستويات عليا في منظمات عالميّة، ونجحت في عقد مؤتمرات دوليّة من أشهرها مؤتمر بكين عام 1995م، وترى هذه الفلسفة أنّ التقسيمات والأدوار المنوطة بالرجل والمرأة مصطنعة ويمكن تغييرها وإلغاؤها تماماً، بحيث يمكن للمرأة أن تقوم بأدوار الرجل، ويمكن للرجل أن يقوم بأدوار المرأة، ففلسفة النوع أو الجندر تُنكر أي تأثير للفروق البيولوجيّة في سلوك كلٍّ من الذكر والأنثى، وتتمادى هذه الفلسفة إلى حد الزعم بأنّ الذكورة والأنوثة هي ما يشعر به الذكر والأنثى، وما يريده كلّ منهما لنفسه، ولو كان ذلك مناقضاً لواقعه البيولوجي، وهذا يجعل من حق الذكر أن يتصرف كأنثى، بما فيه الزواج من ذكر آخر، ومن حق الأنثى أن تتصرف كذلك، حتى في إنشاء أسرة قوامها امرأة واحدة تنجب ممن تشاء، ومن هنا نجد أنّ السياسات الجندريّة تسعى تدريجيا إلى الخروج على الصيغة النمطيّة للأسرة، لذلك وجدنا أنّ بعض المؤتمرات النسويّة قد طالبت بتعدد صور وأنماط الأسرة؛ فيمكن أن تتشكّل الأسرة في نظرهم من رجلين أو من امرأتين، ويمكن أن تتألف من رجل وأولاد بالتبنّي، أو من امرأة وأولاد جاؤوا ثمرة للزنى، كما طالبت هذه المؤتمرات باعتبار الشذوذ الجنسي علاقة طبيعيّة، وطلبت إدانة كل دولة تحظر العلاقات الجنسيّة الشاذة.

 

– ورد في المادة: 11 مصطلح (القرين) بدل الزوج، وهو مصطلح يحيل إلى ما ذكرناه في مصطلح النوع والجندر، بل ويحيل إلى المثلية الجنسية.

 

3-   ضبابية في المفاهيم، والتعريفات القاصرة:

وردت في النص مجموعة من المفاهيم الضبابية والتعريفات القاصرة قصورا مخلا، من ذلك مثلا:

– ورد في المادة: 18 عقاب الزوج الذي يمنع زوجته من الميراث بالحبس من سنة إلى سنتين، وهو معنى ضبابي جدا، فما المقصود بالميراث هنا؟ إن كان الميراث من تركته هو، فهذه لا تستحق إلا بعد وفاته فلا يتصور حينها منعه لها ولا عقابه، وإن كان المقصود ميراث غيره ممن ترثه هي، فهذا أيضا لا يتصور لاستقلال الذمم المالية للزوجين، ولكون المواريث منظمة بالقانون.

 

– تنص المادة: 20 على تغريم من لا يحترم قرارا اتخذ طبقا لهذا القانون من طرف السلطة أو موظف مخول، ولم تبين المادة المقصود بالسلطة أو الموظف المخول، وكان الأولى أن يقصر ذلك على عدم احترام القرارات والأوامر القضائية.

 

– نصت المادة: 4 على ظروف التشديد، وذكرت منها: (وضعية مرتكب الجرم، وعلاقته مع الضحية، وظروف الجريمة)، وهذه مفاهيم عامة فضفاضة لا يمكن أن تكون ظروف تشديد، وكان الأولى أن تنص على أن للقاضي أن يستخلص منها ظروف التشديد، بدل أن يجعلها هي ظروف التشديد.

 

– عرفت المادة: 7 الاغتصاب بأنه: (كل فعل أدى إلى اختراق للفرج أو المخرج أو الفم مهما كانت طبيعته، مرتكب على شخص دون رضاه، بعنف أو إكراه أو تهديد أو مفاجأة)، وهو ليس تعريفا دقيقا، باعتبار أن تعريفات الجرائم يتعين أن تكون جامعة مانعة، وهذا التعريف غير مانع من أن تدخل فيه أفعال غير مجرمة، كاختراق فم صبية بوضع حلوى في فمها بشكل مفاجئ، أو وضع مصل اللقاح في فمها بالإكراه! وكان الأولى أن يستهل التعريف بـ: (كل اعتداء جنسي أدى إلى…)، بدل (كل فعل).

 

–         استخدم في النص مصطلح سجن في غير محله في المواد: (11 و 13 و 21)، مضافا إلى عقوبات جنحية لا تزيد على خمس سنوات، ومصطلح السجن يعني العقوبة التي تزيد على 5 سنوات وهو عقوبة جنائية، بينما يصطلح بالحبس على العقوبة التي لا تزيد على خمس سنوات، وهو عقوبة جنحية.

 

4-   اختلالات إجرائية:

تضمن النص عددا من الاختلالات الإجرائية المخالفة للمبادئ والقواعد الإجرائية المعروفة، من ذلك مثلا:

– مبدأ التعويض المدني المتلازم مع العقوبة في المادة: 3، ومعروف أن اشتراط هذا التلازم غير متأت إجرائيا، لاحتمال اختيار الضحية القضاء المدني لطلب التعويض، أو احتمال سحبها لشكايتها، والأولى النص على لزوم البت في طلبات الطرف المدني المتعلقة بالتعويض في نفس الحكم القاضي بالعقوبة.

 

– ورد في المادة: 34 أن تقرير الطب شرعي في ميدان الاعتداءات الجنسية ضد النساء هو وثيقة إقناع، وهو أمر مناف للمبدأ القائل بأن القاضي الجنائي قاضي قناعة، ومعروف أن تقدير قيمة الوثائق – مسبقا – في الإقناع، مناف لسلطة القاضي في تقدير الأدلة، وهو أمر معمول به حتى في جرائم الإرهاب.

 

– ورد أيضا في المادة: 36 أنه في حالة الاعتداءات الجنسية المرتكبة ضد النساء في مناطق نائية يتم الاحتجاج بخبرة الطبيب ما لم يثبت عكس ذلك، فهي بذلك – كسابقتها – تحرم القاضي من سلطته في تقدير الأدلة، وتقوض مبدأ القناعة، والأولى اعتبارها كسائر الخبرات تخضع للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع.

 

– اختلال التوازن العقابي بين شتم الزوجة المنصوص في المادة: 14 والمعاقب بالحبس الذي يصل سنتين، وبين شتم الزوج الذي يرجع فيه للقواعد العامة وخصوصا المادة: 349 من القانون الجنائي التي تجعل من الشتم مخالفة بسيطة!

 

–  نصت المادة: 41 على أن الشكاوى المتعلقة بالاعتداءات الجنسية على النساء تكون موضوع تحقيق وجوبا، وكان الأولى أن تكون موضوع بحث وجوبا، فالبحث الابتدائي هو ما تقوم به الشرطة القضائية من جمع للأدلة وإعداد المحاضر وتقديمها للنيابة العامة لتقديرها، بينما التحقيق الإعدادي هو ما يقوم به قاضي التحقيق بعد تعهيده من طرف النيابة.

 

لهذه الأسباب : نحن نتوجه إلى النواب بضرورة إصلاح هذه الاختلالات قبل المصادقة على مشروع القانون هذا، ونرجو من الحكومة سحبه وإصلاحه قبل تقديمه للمصادقة.

والله الموفق

 

 

الأحدث