جدول المحتويات
وظل الصراع دائما على أشده بين أجنحة الأطر المتنافسين على النفوذ والمصالح الخاصة ضمن فلك السلطة الأحادي بعيدا عن الأحزاب المعارضة.
ولكن الانقلاب العسكري 2005 حمل تغيرات جديدة رافقها انفتاح ديمقراطي كان من نتائجه انضواء القوى الإسلامية تحت مبادرة الإصلاحيين الوسطيين 2006 التي تقدمت الانتخابات البلدية وفازت بمنصب العمدة لصالح السيد القاسم ولد السالك.
وحين تم الترخيص لحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية "تواصل" بتاريخ: 3/8/2008 رافقه افتتاح مقر القسم في كرو.
وسوف نحاول في هذه الإطلالة مقاربة واقع هذا الحزب في المقاطعة وبعض ما قدمه من إنجازات وما أصابه من إخفاقات وما يجابه به من انتقادات..
واهتمامي بهذا الموضوع ليس اعتباطا أبدا ومن جملة الأسباب التي تقف وراء ذلك:
أ – أنني من المهتمين بقضايا المقاطعة وتقييم أداء نخبتها السياسية وفضح ما تتعرض له من تجاهل تنموي من قبل الأنظمة.
ب – أن قسم تواصل هو المظهر الوحيد للظاهرة السياسية الحزبية الذي يمكن العثور عليه في المقاطعة حتى من حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الذي ليس لديه مقر يعمل.
ج – الجدل الكبير الذي ما فتئ يثيره الحزب في الأوساط المختلفة لدى الساكنة وخاصة بعد الصراع القوي الذي احتدم بينه وبين النظام الحاكم الذي وضع كل ثقله قبيل الانتخابات النيابية الماضية وكانت الغلبة لحزب تواصل.
وقبل الولوج إلى صلب الموضوع لا بد من الاعتراف الصادق أن دخول الإسلاميين إلى ميدان العمل السياسي في كرو شكل نقلة نوعية حقيقية باتجاه العمل السياسي المؤسسي الجاد والانطلاق به نحو الإنجازات الملموسة على الأرض.
ومن المستحيل والظلم ادعاء إمكانية حصر مسيرة عقد زمني حافل بالمثابرة والعطاء في مقال عابر.
ولعلنا نكتفي بتسجيل جزء من أبرز الإنجازات في حدود الممكن:
أولا: نجح قسم حزب تواصل في مواكبة هموم الساكنة اليومية وعبر عن ذلك بصدق من خلال ملتقيات البناء والمهرجانات والوقفات الاحتجاجية والبيانات الإعلامية سواء تعلق الأمر بمسألة ارتفاع الأسعار والفلتان الأمني أو التنديد بالمساس بالمقدسات وحرق الكتب وحرمة الرسول صل الله عليه وسلم ونصرة قضايا الأمة الإسلامية. وشارك قسم الحزب عبر أعضائه العاملين والمنتسبين في حملات النظافة في شوارع البلديات ونظم حملة نظافة لصالح المركز الطبي شارك فيها الجنسان وكان من نتائج حملة النظافة في مدينة كرو إزالة جبال من القمامة طالما تحدت السكان والسيول الجارفة على حد سواء.
ثانيا: في بلدية أويد اجريد عبدت الطريق الجنوبية على نفقة النائبين بكلفة 5 ملايين أوقية فأصبحت سالكة أمام السيارات الصغيرة ونفذوا أشغالا في نقطة معينة في الطريق الشمالي التي تمر من ابهيكة اكويكيط. كما تم ترميم سد أويد اجريد بمعدات ثقيلة يمتلكها الحزب وأقاموا حظيرة لتلقيح الحيوانات وإصلاح سيارة الإسعاف المتعطلة.
ثالثا: قدم قسم حزب تواصل في كرو خدمات جليلة بواسطة جرافته وشاحنة الحجارة المعدة للبناء (اكرافيه) فبعد تعاقد أصحاب السيارات المحلية معهم أصبحت كل شحنة توفر على الساكنة 2000 أوقية بمقدار 800 ألف توفرها المقاطعة شهريا.
أما الجرافة فتقدم خدمتها للشخص العادي بكلفة 15000 ألف بتوفير 10000 عن السعر الحقيقي وهو 25000 ألفا، أما الفقراء والمحرومون فيحصولون على الخدمة مجانا إما بدفع من النائبين أو البحث عن فاعل خير يلتزم مكتب الحزب بالبحث عنه. وخلال سنة واحدة وفر هذا التخفيض على المقاطعة ما قيمته 10 ملايين أوقية. وفي بلدية الغايرة حصلت النقطة الصحية على سيارة إسعاف هدية من القسم.
رابعا: يلاحظ أن نائبي الحزب عن المقاطعة نجحا في القيام بالمهام والوظائف التي تدخل في صميم عملهما على أحسن وجه وزادا على ذلك بالمعروف والإحسان. فأظهرا من أول يوم انشغالهما بالقضايا الكبرى للشعب وتابعا أعمال الحكومة عبر المساءلة والتزما بحضور كل جلسات الجمعية الوطنية وحرصا على التواصل مع جماهير المقاطعة للإطلاع على أوضاع المواطنين وسلموا عدة رسائل عام 2014 تحمل مطالب مواطني المقاطعة إلى كل من:
– الوزير الأول.
– وزير الداخلية واللامركزية.
– وزير الصحة.
– وزير الطاقة والمعادن.
– وزير المياه والصرف الصحي.
– وزير التنمية الريفية.
خامسا: على مستوى الثقافة أسهم قسم الحزب بفاعلية في المشهد الثقافي من خلال إقامة دورات تكوينية في الإعلام والإدارة ورؤية الحزب ونصوصه السياسية بالإضافة إلى دعم الروابط الثقافية باسمه أو عن طريق أعضاء منتسبين ويتم التحضير في هذه الأثناء لانطلاق صالون ثقافي ومكتبة عمومية بدعم معنوي من قسم الحزب وإشراف بعض أعضائه ولديهم خمس صفحات إعلامية على الفيس بوك واحدة تخص أنشطة النائبين وأخرى لأنشطة بلدية الغايرة والثالثة للمنظمة النسائية والرابعة عامة والخامسة للمنظمة الشبابية إلى جانب مجموعة واتسابية واحدة، وقد دأب قسم الحزب على إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف وعيد الاستقلال الوطني كل سنة.
وينشط أعضاء حزبيون في مجال الدعوة إلى الله ولديهم منابر أسبوعية في بعض مساجد المقاطعة ويفخر الحزب بأنه صنع عشرات الشباب من أبناء المقاطعة مسلحين بالوعي والزاد المعرفي غير أن خصومه يتهمونه باستغلال قدرات الشباب المتحمسين دون أدنى مقابل.
سادسا: يولي القسم عناية واضحة بالمرأة القروية ويوفر لها كل الفرص للقيام بدورها فالقسم الذي يشغله 11 رجلا يضم كذلك 7 نساء يدرن المكتب التنفيذي للمنظمة النسائية ورئيستهن عضو استحقاقي في القسم.
سابعا: في مجال التعليم كانت إعدادية كامور التي أنشأت هذه السنة ضمن رسائل النائبين إلى الجهة المختصة كما قام الحزب بترميم أحد الفصول في ثانوية كرو بكلفة 500 ألف أوقية وبناء حنفية مائية ومنح وحدة معلوماتية لصالح الثانوية ذاتها.
ورغم هذه المعطيات الشاهدة على إنجازات شاهقة طالما تغنى بها أهل الحزب ونفخوها وسوقوها باحتراف كبير فإن خصوم القوم لهم مآخذهم التي منها ما هو حقائق أساسية سنتعرض لها ومنها ما هو انطباعات شخصية وأهواء سياسية لا تهمنا كثيرا ولعلنا نجمل أهم تلك الانتقادات في النقاط التالية:
1 – التورط المباشر في الرشاوى السياسية وشراء الذمم أثناء الانتخابات وهو ما يخالف بصورة صريحة مبادئ الحزب وتوجهه الإسلامي.
2 – التبذير بإنفاق المال الطائل أثناء الحملات الانتخابية والسعي للحصول على النجاح ولو كان الثمن باهظا (تتحدث مصادر خاصة عن أرقام فلكية تحتاج إلى إثبات) لكنه من المؤكد أنهم ينفقون بسخاء ويستخدمون سلاح المال بصورة مستمرة في كل معركة انتخابية تماما مثل خصومهم وهو ما يخالف تعاليم الدين ومبدأ الطهر السياسي الذي يدعونه وكان من الأفضل استثمار تلك الأموال في قضايا أكثر نفعا بجعلها في مشروعات تحسن من حياة الناس بدل الصرف العبثي على لبروفات السياسية.
3 – تقديم أبناء العائلات وأصحاب المال من عمق قبلي معروف للمناصب والوظائف الانتخابية وجعلها حكرا عليهم ولو كان ذلك على حساب الكفاءة والخبرة. وهو ما يرده بشدة أهل الحزب قائلين إن الواقع يفنده وإنهم يختارون أهل الأمانة والنزاهة ومن يملكون الاستعداد والقدرة على خدمة الناس وهذا هو المطلوب في مثل هذه الوظائف. ويفخرون أنهم كسروا قاعدة احتكار الأطر لها والتمتع بها وحدهم دون السكان.
4 – تهميش أبناء المقاطعة في المستويات القيادية للحزب مع أن المقاطعة تتجه إلى أن تكون معقلا مهما للحزب فقد منحته في الاستحقاقات الماضية 31 مستشارا بلديا وعمدتين ونائبين في الجمعية الوطنية ويوجد فقط 18 شخصا من أبناء المقاطعة في الهيئات الوطنية للحزب وهو ما لا يتناسب مع أهميتها ودعمها للحزب.
5 – توظيف أموال الصدقات والجمعيات الخيرية التي يديرها أعضاء في الحزب لصالح الدعاية السياسية لحزبهم وربما توجيهها نحو الموالين أكثر من المعارضون لهم.
ويتضح مما سقناه من معلومات وحقائق أن حزب تواصل في كرو عمل منذ انطلاقته بكلما أوتي من قوة على ترسيخ وجوده في المقاطعة وقد نجح إلى حد كبير إذ أصبح اليوم رقما صعبا في اللعبة السياسية للمقاطعة بينما لا يزال خصومه من الأطر ينامون نومة أهل الكهف عن مصالح القاعدة الشعبية ويلهيهم التنافس على المكاسب الشخصية الزهيدة في العاصمة نوكشوط.
ويحسن بنا أن لا نغفل عن ذكر بعض الخسائر التي مني بها الحزب والتي لا شك قد يكون لها تأثير ما على أدائه وقوته في أي استحقاق قادم في كرو ومن ذلك انسحاب رجل الأعمال السخي صاحب السمعة الحسنة ممود ولد السيد الذي ولى وجهه على ما يبدوا شطر السلطة واختار المصالحة معها ولا أحد ينكر أن الرجل كان يحشد بجاهه وماله وسمعته لصالح الحزب. هذا في وقت يعيش بعض داعمي الحزب من أهل المقاطعة حالة من التراجع الاقتصادي بسبب الأزمة المالية العالمية التي أثرت على مصالحهم في الداخل والخارج. كما أن الخلاف بين الأطر الذي استفاد منه تواصل واستثمره في انتزاع مقعدي النواب لم يعد صالحا للاستعمال مرة أخرى. وأعتقد أن خسارتهم لمنصب عمدة بلدية كرو من أكبر الضربات المؤلمة المفاجئة فبعد سنوات من التفاني في خدمة الناس والإنجازات المشهودة سحب الناخبون البساط من تحت أقدامهم في أول اختبار فأي شعور بالمرارة والحسرة ونكران الجميل والفراغ الكبير أصابهم في عقر دارهم؟
والحقيقة أن العملية الانتخابية في المقاطعة لا تخضع لمنطق الصالح من الناس أو الصالح منهم ولا البرنامج الانتخابي لهذا الطرف أو ذلك بل ما تزال محكومة بالتوازنات القبلية والمقايضات الاجتماعية.
والنتيجة البينة أمام أي مراقب أن حزب تواصل في كرو يعرف جيدا ماذا يريد ويخطط ويعمل من أجله ليلا ونهارا فالدهر كله حملة وعمل متواصل أما عند منافسيه فالعمل السياسي أيام معدودات أثناء الحملة الانتخابية وينتهي كل شيء وتختفي الشخوص.
وإني على يقين أنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه من فراغ كبير خلفه تجاهل السلطة للمقاطعة وعجز نخبة الأطر عن تحريك الساحة فإن المستقبل المنظور سيرسمه التواصليون بكل جدارة ودون منازع.