تخطى الى المحتوى

لا للاصطياد في المياه العكرة يابن اشباط

جدول المحتويات

ونحن وإن كنا نتوجه بهذا المقال إليه إلا أننا لا نستثني أي جهة تورطت بطريقة أو بأخرى في ما يعكر صفو العلاقة التاريخية التي تربط بين الشعبين الشقيقين.

 

وقبل الدخول في الرد على ابن اشباط نود التأكيد على جملة من الحقائق ينبغي أن لا تغيب عن بال الساسة في كلا البلدين.

 

1.  نؤكد على أن أي مشكل سياسي أو اقتصادي ينبغي معالجته عبر القنوات الدبلوماسية وليس القنوات الفضائية والمراهقات السياسية.

 

2.  نؤكد على أن العالمين العربي والإسلامي لا يحتاجان إلى مزيد من الحرائق لعدم وجود وسائل إطفاء فيهما، فوسائل الإطفاء نفدت نتيجة لكثرة الحرائق المشتعلة فيهما. فيكفينا دمارا وخرابا ما يحصل الآن في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن وما حصل سابقا في كل من الجزائر والسودان – الذي انشطر شطرين- والصومال والقائمة تطول.

 

وبناء على هذه المعطيات فإنه ليس من مصلحة الشقيقة الكبرى المغرب كما موريتانيا تأجيج الصراع بينهما وإذكاء التجاذبات السياسية والاقتصادية التي قد تخرج عن السيطرة لتصل بنا لا قدر الله إلى منزلق لا يخدم أيا من الدولتين، فخلق المشاكل للجيران الأشقاء وتهيئة الظروف لذلك وتصدير الأزمات السياسية والاقتصادية إليهم كلها أدوات يسهل التفكير فيها ولكن الصعوبة تكمن فيما إذا أدت هذه الأدوات إلى إشعال المزيد من النيران لأن القدرة حينئذ ستكون محدودة إن لم تكن معدومة على إخمادها.

 

فعلى كل من له عقل أو بعد نظر من الإخوة المغاربة الأشقاء الابتعاد عن الصيد في المياه العكرة لأن الصيد فيها لا يخدم مصلحتهم ولا مصلحة شقيقتهم الصغرى موريتانيا ولا حتى مصلحة وطنهم الكبير.

 

3.  إن العلاقة التاريخية والروابط الاجتماعية التي تربط بين الشعبين الموريتاني والمغربي هي علاقة أزلية باقية إلى يوم القيامة شاء ابن اشباط أم أبى ولا ينبغي أن تتأثر بالتجاذبات السياسية والمهاترات الإعلامية، فالمغاربة الموجودون على أرضنا نعتبرهم إخوة لنا أعِزَّاءَ على قلوبنا وكنا ولا زلنا وستظل بإذن الله نعاملهم معاملة الأشقاء رغم الجرح الغائر الذي أحدثته تصريحات ابن اشباط ومنهم على شاكلته من السياسيين المغاربة.

 

4.  إن حرصنا على عدم توتير الأجواء مع الشقيقة الكبرى ليس نابعا من ضعف موريتانيا ولا عجزها كما يتوهم البعض، وإنما مرده إيماننا الراسخ بأن مصير الوطن العربي كله من المحيط إلى الخليج مصير واحد، وهو ما جعلنا نحذر منذ بداية التسعينيات في مقالات لنا نشرت في كبريات الصحف الدولية من التداعيات الخطيرة التي ستنجم عن تدمير العراق والقضاء على جيشيه وترسانته، لأن العراق بعد خروج الشقيقة الكبرى مصر من المعادلة إثر اتفاقية كامديفد كان هو أمل كل مواطن عربي في تعديل ميزان القوى مع العدو الصهيوني كما أنه كان يقف شامخا كالطود ضد المد الصَّفَوِيُ الفارسي وقَدَّمَ أغلى أبنائه دفاعا عن الأمة العربية طيلة ثمان سنوات، وقد كان رد جميل معظم ساسة العرب آنذاك هو التآمر عليه وتدميره وتسليمه على طبق من ذهب لإيران، والنتيجة هي ما نشاهده اليوم من إطلاق يدها (إيران) في المنطقة لتعبث بالعراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين والقادم – إن لم يتدارك العرب أمرهم – أمرُّ وأخطر بكثير.

 

صحيح أن صدام حسين رحمه الله ارتكب خطأ استراتيجيا لغزوه الشقيقة الكويت وهذا التصرف لا يمكن قبوله ولا تبريره بأي حال من الأحوال لأن دور الشقيق الأكبر هو حماية الشقيق الأصغر وليس افتراسه، وكان على القادة العرب أن يدركوا أنهم وقعوا في مأزق إن لم يعالجوه بالحكمة والتعقل فسوف يقضي على مستقبلهم.

 

فلو أن اهتمامهم غداة اجتماع القاهرة كان التفكير في مستقبل الأمة على الأمد البعيد لوجدوا حلولا تفضي إلى انسحاب العراق من الكويت دون تمزيق نسيج الأمة وتدميرها سياسيا وعسكريا واقتصاديا، لكن هذا التفكير ذو البعد الاستراتجي حل محله التفكير بالمصالح الضيقة الآنية لكل قطر على حدة وحلت الرغبة في الانتقام وتصفية الحسابات الشخصية محل السهر على مصلحة الأمة التي كان قادتها عشية نقاشاتهم للقضية أقرب إلى زعماء عشائر متناحرة منهم إلى قادة أمة بكاملها دفعت غاليا ولا زالت تدفع فاتورة قراراتهم المدمرة التي كان من نتائجها زوال دول كانت رئيسية في المنطقة ويعول الكثير على نجدتها، وتمزيق واحتلال دول أخرى واستباحة أراضيها وأجوائها، واستنزاف أخرى إقتصاديا وابتزازها عسكريا وسياسيا.

 

إنما قام به صدام حسين 1990 سبق وأن قام به عبد الكريم قاسم سنة 1963م واجتمع قادة العرب إثر ذلك في قاهرة عبد الناصر – لا قاهرة مبارك- وتوصلوا إلى حل أفضى إلى سحب عبد الكريم قاسم جنود العراق من الكويت دون أن تلحق أضرار بالعراقيين أو الكويتيين ودون السماح بتدويل النزاع وتدخل القوى الأجنبية عكس ما حصل تماما في اجتماع قاهرة مبارك سنة 1990، وما حصل 1990و2003 هو ما نخشى حصوله اليوم إن خرجت الأمور عن نطاق السيطرة.

 

5.  إننا نؤكد أن من صدرت عنهم تلك التصريحات المشينة سيتفاجؤون كثيرا بوقوف الشعب الموريتاني بكافة أطيافه السياسية وشرائحه الإجتماعية خلف قادته وجيشه وعَلَمِهِ، ذلك لأن السيادة الوطنية عند هذا الشعب خَطٌّ أحمر غير قابل للمساومة أو المزايدة وكل من يفكر في انتهاك هذه السيادة سيجد أن لها رجالا أشداء على الكفار رحماء بينهم قادرين على حمايتها سياسيا وعسكريا واقتصاديا.

 

6.  على الأشقاء المغاربة أن يدركوا أن موريتانيا دولة ذات سيادة وعضو كامل العضوية في الأمم المتحدة وفي جميع أجهزتها المنبثقة عنها، وعضو في جامعة الدول العربية وعضو مؤسس في منظمة المؤتمر الإسلامي، وعضو مؤسس في الاتحاد الإفريقي، وعضو مؤسس في اتحاد المغرب العربي وأن رئيسها هو الرئيس الدوري لجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي وأن هذه الرئاسة لم يحصل عليها من فراغ ولا بالمجان وإنما كانت ثمرة من ثمار جهوده الطيبة وبحثه الدؤوب عن مصلحة العالمين العربي والإفريقي وهذا إن دل على شيء إنما يدل على حرية القرار الموريتاني وعدم إخضاعه لأي وصاية أجنبية.

 

كما نذكر الأشقاء المغاربة بأنهم عارضوا مرارا إنضمام موريتانيا لكل من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وأن هذه المحاولات كلها باءت بالفشل وأن عليهم في الوقت الحالي أن يحلوا مشكلة الصحراء وعقدتها التي اضطرتهم إلى الإنسحاب مرتين من الاتحاد الإفريقي وأن يحلوا بعد ذلك مشكلة (سبتة وامليلة) مع المملكة الإسبانية قبل التفكير في حدود مع السنغال عبر نهر صنهاجة المعروف حاليا بنهر السنغال.

 

7.  لو أنصف الدهر لكانت أجزاء شاسعة من المغرب تابعة لموريتانيا إن لم يكن المغرب كله تابعا لها، ذلك أن الدولة المرابطية التي حكمت المغرب زهاء قرن إنطلق قادتها وجنودها من هذه البلاد وهم من أعز أفذاذ كبدها ومن أشراف عشائرها، فالأمير يحي ابن ابراهيم الكدالي هو الذي قدم بالداعية عبد الله بن ياسين إثر عودته من الحج، وهو الذي اتخذ من جزيرة تيدرة (ميناء اجريده حاليا) رباطا كان منطلقا لفتح المغرب كله، وبعد وفاته خلفه الأمير يحيي بن عامر شقيق ببكر بن عامر في القيادة، وهو جد أمراء إدوعيش اللمتونيين، وهما مدفونان في جبل لمتونه المسمى الآن بآدرار، وبعد يحي خلفه الأمير ببكر بن عامر الذي طرح الحجر الأساس لمدينة مراكش وقبره في موريتانيا على هضبة تكانت في مكان يسمى مكسم بن عامر، وبعد أن عاد إلى المناطق الصحراوية في موريتانيا قام ابن عمه أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين بإكمال بناء مدينة مراكش وهو الذي وحد تحت رايته بلاد المغرب وأنجد ملوك الطوائف في الأندلس وهزم الصليبيين بقيادة آلفونسو في معركة (الزَّلاَّقّةُ) وأخَّر هو وابنه علي بن يوسف سقوط الأندلس، ثم إن منطقة السوس وعاصمتها تارودانت وما تحويه من قصور وقلاع وبساتين كانت تحت سيطرة قبائل بني حسان قبل هجرتها إلى موريتانيا الأمر الذي يؤكد تاريخيا بالأدلة القاطعة تبعية المغرب لموريتانيا وليس العكس.

 

وبعد تأكيدنا لهذه الحقائق الممزوجة بالنصائح الأخوية ذات البعد الإستراتيجي نخلص إلى الرد على ابن اشباط في النقاط التالية:

 

1)   إن ابن اشباط تبع في تصريحاته سلفه علاَّلْ الفاسي رئيس حزب الإستقلال المغربي  الذي قال غداة إستقلال موريتانيا إن إستقلال المغرب كان ناقصا لأن حدوده نهر السنغال، ونحن من جانبنا نؤكد لكلا الرجلين أن هذا الاستقلال سيظل ناقصا ما دام في نظرهما لا يتم إلا بوصول المغرب إلى شواطئ نهر السنغال (نهر صنهاجة).

 

2)    إنه من السهل إطلاق التصريحات على عواهنها وادعاء تبعية موريتانيا للشقيقة الكبرى المغرب، لكن هذا الإدعاء عند ما يتجرد من أي دليل يسنده يصبح أكثر ضررا على  المغرب منه على موريتانيا لأنه يفقدها مصداقيتها من جهة ويوتر العلاقة بينها وجارتها من جهة أخرى.

3)   إن أي دولة تدعي تبعية إقليم لها لابد وأن تقدم من الأدلة ما يثبت حجتها أو على الأقل ما يمكن الركون إليه، فما بالك إذا كان الإدعاء يطال دولة ذات سيادة وحدود معترف بها وعضو في الأمم المتحدة وفي جميع المنظمات الدولية ومساحتها ضعف مساحة الدولة التي تدعي تبعيتها لها.

 

4)   إن أول ما يتبادر إلى الذهن من تلك الأدلة هو إثبات وجود سيطرة سياسية أو إدارية أو عسكرية تجسدها على أرض الواقع، إدارة مغربية سياسية أو إدارية كانت توجد على الأراضي الموريتانية ويمتد نفوذها إلى نهر السنغال، أو تعززها حامية عسكرية مغربية كانت تتواجد على هذا التراب الطاهر، أو يعززها وجود أمازيغي زناتي، فهل يستطيع الأشقاء المغاربة إثبات وجود إدارة مغربية كانت في هذا البلد أو وجود حاميات عسكرية فيه أو وجود سكان مغاربة ناطقين بالأمازيغية؟ إنهم بالتأكيد لا يستطيعون إثبات شيء من ذلك لعدم وجوده.

 

5)   من المعلوم تاريخيا أنه وبعد انهيار دولة المرابطين تم تقسيم البلاد بين أربع مشيخات موزعة على طول الأرض وعرضها وظل الوضع على ذلك الحال حتى  قدمت قبائل بني حسان الجعفرية القادمة أصلا من الحجاز عبر مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وأطاحت بتلك المشيخات الأربعة وفرضت نظاما جديدا أسفر في نهاية المطاف عن قيام خمس إمارات مغفرية أو متمغفرة هي: إمارة أولاد مبارك في الشرق و في الجنوب الشرقي وهي التي امتد نفوذها إلى داخل الأراضي المالية الحالية وكانت عاصمتها في منطقة (باغنة وبالأخص بالنعوم) ثم إمارتا لبراكنة واترارزه اللتين سيطرتا على المنطقة الوسطى والمنطقة الجنوبية الغربية بما في ذلك منطقة نهر السنغال (نهر صنهاجة) وامتد نفوذ اترارزه على مناطق داخل السينغال حاليا وهي: ( والو، ودكــانه، وكايرو) وغيرها، وفي آدرار شيد أولاد يحي بن عثمان إمارة قوية امتد نفوها شمالا إلى تيرس، وفي وسط البلاد شيد إدوعيش أحفاد المرابطين إمارة في تكانت ولعصابة وآفطوط، وفي الشمال والشمال الغربي كانت مشيخة أولاد ادليم تقف كالطود الشامخ تحرس الحدود الشمالية وتتصدى لمن يحاول اختراقها.

 

6)   ظل الوضع على ذلك التنظيم حتى  غزت فرنسا البلاد فهب الموريتانيون للدفاع عن أرضهم وعِرْضِهِمْ واستشهد في المقاومة أميران من أعظم وأشرف أمراء البلد وتم نفي أمراء  وسجن آخرين خارج البلاد، وفي الأخير تمكن المستعمر الفرنسي بعد لأي من بسط سيطرته على البلاد وجوبه بأشرس مقاومة من أبناء هذا الوطن، فأين كان الأشقاء المغاربة من ذلك كله؟

 

هل استشهد سلطان أو ملك مغربي على هذه الأرض يدافع عنها؟ وهل وطئت قدم جندي مغربي واحد هذه الأرض للدفاع عنها وعن أهلها؟ وهل يوجد قبر واحد لسلطان أو ملك مغربي أو لجند مدفون بها؟

 

فهل يسطيع ابن اشباط أن يثبت أن شيئا من ذلك قد حصل؟ كلا إنه لا يستطيع إثبات وجود إدارة مغربية تحكم هذه البلاد وأهلها، وبقدر عجزه عن إثبات وجود إدارة مغربية على هذه التراب بقدر ما كان عاجزا عن إثبات وجود جنود مغاربة كانوا يحمونها كعجزه تماما عن إثبات تواجد مغربي أمازيغي زناتي في هذه البلاد.

 

7)   إن وصول الأشقاء المغاربة إلى شواطئ نهر السنغال ليس مستحيلا لكن طريقه الوحيد الآمن من الألغام يكمن في اتحاد سياسي وتكامل اقتصادي بين الدولتين الشقيقتين، وحبذا لو كانت تصريحات ابن اشباط تنحو هذا المنحى بدلا من المنحى الذي اختاره لها لأنه حينئذ سينظر إليه من طرف السياسيين والمثقفين في كلا البلدين بأنه زعيم سياسي يتمتع ببعد نظر يؤهله لقيادة الحكومة المغربية أو على الأقل المشاركة فيها وهو هدف كان حين تصريحاته نصب عينيه لكنه أصبح الآن أبعد ما يكون من المنال، وإذا كان ابن اشباط اختار لخطابه تسخين الأجواء وتوتير العلاقة بين الأشقاء فإننا على عكسه تماما ندعو ساسة البلدين إلى التفكير جيدا في هذا الاتحاد والتكامل بدلا من إطلاق التصريحات التي تبعدنا عن تحقيق هذا المطلب القديم الجديد لشعبي البلدين الشقيقين.

 

وأخيرا ننصح الساسة المغاربة بضرورة دراسة التاريخ جيدا لئلا يقعوا في المستقبل في أخطاء محرجة تزيد الطين بلة وهم الذين لا يزالون يتوعكون في وحل وألغام الصحراء الغربية وفي أمس الحاجة لمن يخرجهم من ورطتها ولعلهم يجدون ذلك المخرج في موريتانيا وقادتها.

الدكتور المحامي/ محمد سيدي محمد المهدي

 

الأحدث