جدول المحتويات
مزج المؤنّث بالمذكّر
في الآية القرآنية الكريمة من سورة القمر قوله سبحانه وتعالى: «كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِر» كوصفٍ للنخيل الذي جفّت عروقه وتقطّعت أوصاله وتهتّكت حاله. فهل العنوان يدلّ على غضب وتشتّتٍ وانفعال كبير لدى الشاعر؟
ثمّ يطالعنا عنوان القصيدة الأولى: «أيتّها البحر»، مزج المؤنّث بالمذكّر الذي يخلق الدهشة للوهلة الأولى ثمّ يجتازُ سور الإعجاز الإدراكي لصورة جميلة تهيّئ للبصيرة رسماً جميلاً لخيمة ظليلة في صحراءٍ عابقة بالهوى، فيها يهبّ الغزل بارقاً كنور الأزل.
تفصّل حضارة الصحراء الموريتانية بتفاصيلها وحتّى بألوان طعامها وشرابها، رغم حضور البحر بنفائث غضبه وحزنه فيها… حيث يقول الشاعر:
«أنتِ بحرٌ… وعلى الشاطئ أجْتَرُّ الأنين… قد توجَّستُ من المجهول خوفا… كسجين!… آكلُ الخبز صباحا… آكل الأرز زوالا… آكل «الكُسْكُسَ» ليلا.. وأنيسي شايُ صين»!
هنا الشاعر يستنبطُ جوّ الشعر الجاهلي بدقّة عالية، والتي حاول البعض انتحاله فيما مضى وكتب عن هذا المستشرق البريطاني ديفيد مرجليوت.
حسّ صوفيّ عذريّ
ثمّ تحتدمُ عباراتُ الوصف بمحاسن القول فتسطع من حسِّ صوفيِّ عذريٍّ صافٍ. ونلحظُ تأثّراً (ربّما يكون عن غير قصد) بالشريف الجرجاني الذي وصف انفعال النفس في الشعر بالترغيب والترهيب.
ونبصر هذا الأمر جليّاً في كلماته:
«وأصلّي مثل صوفيٍّ… بل الصوفيُّ مثلي… أعشقُ الذاتَ التي… مذ ذبتُ فيها… ذبتُ في قلبي وعقلي… ها هنا أيتّها البحرُ أصلّي…»
في قصيدته «عينُ فربة» والتي يشرحُ فيها على الهامش بأنّها معارضة لدالية نزار قباني «أنا هنا بعد عامٍ من قطيعتنا»، إنعكاسٌ متّقدٌ لحنينه للأرض، وانهماكٌ محتقن في تضييق الخناق على هذا الوله في صرخة مدوية:
هـــا قـدْ أتـيـتُـكِ بعدَ العـام مُـتَّــقدا
عامٌ قدْ امْتـدَّ لِي فِي مَا سِواكِ سُدَى
يا «عينَ فرْبةَ» لا تَستغرِبي وَلَـهِي
إنِّي تَجَاوَزْتُ فِي حُبِّي لكِ العُـقَدَا
هَا قَدْ أَتَيْتُكِ.. كُـلِّي لَوْعَةٌ وَجَوًى
فـلْتحضِنِي مِنْ شَتَاتِي مَا بِكِ اتَّحَدَا
قَـلبِي الذي ضَلَّ دُنْيَا حُبِّهِ فَذَوَى
ونِصْفُ رُوحِي الذي آخَى بِكِ الجَسَدَا
هذا التعتيم المفتعل على ما يضجُّ به صدر الشاعر من إنفعالات ورصدها فقط في قصيدته «عين فربة»، ومعارضته لقصيدة نزار، يكادُ يكونُ مرئيّاً تماماً كاللون الداكن، في محاولة بأن يُخفي ضياعاً حقيقيّاً بين الحزن والشوق والألم والتبجّح الذاتي بذاتيته وبانتمائه.
ترهّلات أحاسيس
نعرجُ على باقي القصائد، فتجرحنا بانسكاب دموع عميقة وترهّلات أحاسيسٍ تلوّنت بالخيبة والفراق، وانتفاضة لما يجرى في العالم من نكسات وانكسارات. وفي قصيدة «نخلة المدائن» وصفٌ لـ»شنقيط» التي كانت تُعتبرُ مركزاً ثقافيّاً هامّاً إلّا أنّ التاريخ لم يُوثّق عنها كما يجب.
وكأنّ الشاعر رغب بأن يمسح التجاعيد عن وجهها كما عبّر في ديوانه:
جئت.. شنقيط أعلني ميلادي
واصرخي باسمي الوليد ونادي
جئت حيث الكثبان ديوان
والمنارات ألسن وأيادِ
جئت فالأطلال التي استقبلتني
قسمات للعز… للأمجادِ
عدت كي أمسح التجاعيد عن وجهك
كي أستريح من إجهادي
عدت يا نخلة المدائن فالدفءُ
هنا دفء كل… كل البلادِ
ديوان الشاعر الموريتاني جاكيتي الشيخ سك يغلبُ عليه الحضور الصحراوي والتأوّه القديم الذي لطالما رتّله شعراء الصحراء القدامى بحنينٍ مخمليّ يخترقُ السدود ضمن إطار يحدّه الإحتشام ويزخر بصوفيّة الإحساس المرتحل.