جدول المحتويات
و يمكن ملاحظة اختلافات بين رؤساء موريتانيا في العهد المدني عنها في العهد العسكري، كما تمكن ملاحظة أن كل رئيس طبع هذه الزيارات بطبعه و ميوله و العناوين التي اختار للترويج لنفسه و لتبرير سياساته. و رغم أن زيارات كل الرؤساء و في كل المراحل لم تخل من الفلكلورية و غلبة المظاهر الدعائية و تمجيد الحكام ، فإن غلبة التملق و التزلف و المبالغة في تمجيد الرئيس و تصويره في صورة المنقذ و المخلص ، قد ازدادت منذ بداية عقد التسعينيات و باتت لها مظاهر و أشكال معروفة لدى المواطنين، حيث تتجند كل أجهزة الدولة و تكرس مواردها المالية لهذه الزيارات، و يمنح كل الموظفين و المنحدرين منهم من الولاية المزورة خاصة ، إذنا مفتوحا قبل الزيارة بأسابيع ، بمبرر تحضير زيارة الرئيس و العمل على إنجاحها. و رغم أن الشكل العام الذي ميز الزيارات الرئاسية في عهد الرئيس الأسبق معاوية لا يزال مستمرا، فإن الرئيس محمد ولد عبد العزيز قد طبع هذه الزيارات بطبعه و أضاف لها مظاهر تتعلق بهواياته و ميوله و نزعاته السياسية.
و رغبة في إنارة الرأي العام بشأن هذه الزيارات، و التي استقر لدى أهل الرأي و الثقافة على وصمها بالكرنفالية، و التي أصبحت مناسبة لتباري المتملقين و المنافقين و الطامعين في إكراميات الرئيس و تعييناته و منحه ، و بين القبائل و الجهات و الوزراء و الوجهاء في التقرب للرئيس و تملقه و المبالغة في إظهار الولاء الكاذب له، و الإشادة بإنجازاته و رفعها لمرتبة المعجزات و الخوارق، التي يستحيل أن يحققها غيره، فقد أردت أن أعدد للقراء الكرام ما استقرت عليه مظاهر و مناشط هذه الزيارات في موريتانيا الجديدة.
و هكذا فقد رأيت أنه يمكن تقسيم التحضير للزيارات الكرنفالية في طبعتها الأخيرة – طبعة الرئيس عزيز – إلى شقين:
شق شعبي و حزبي، يتكفل فيه رؤساء القبائل و وجهاؤها، و وزراؤها و مديرو مؤسساتها، و رجال أعمالها و مقاولوها، و ممثلوها في حزب الحاكم و مرشحوها للتعيين في وظائف دسمة ، بتعبئة المواطنين على الحضور و التفاعل و حمل شعارات الترحيب و الإشادة و التملق و المطالب المعلنة، و التي يتفق المذكورون أعلاه عليها و يكون ذلك أحيانا بالتشاور مع السلطات الإدارية، و هم كذلك من يعبئون الموارد المالية لتغطية تكاليف اللافتات و النقل و حتى السقاية أحيانا، بالتعاون مع الإدارة و مساهمتها المباشرة، و يقوم ممثلو كل قبيلة بحث أفرادها و أفخاذها و عشائرها على الحضور الحاشد، على أن يكون حضورهم فاعلا و متميزا بل و مهيمنا ، حتى يثبتوا للرئيس أن قبيلتهم و عشيرتهم ، هي الأكثر عددا و حضورا و ولاء، و الأجدر بنيل ثقته و تعييناته و صفقات مشاريعه.
شق إداري دعائي يرعاه جهاز الدولة جهويا و مركزيا، و تكاد تنحصر أنشطته الرئيسية في آخر الطبعات، في ستة أنشطة تكاد لا تخلو منها أي زيارة رئاسية كرنفالية ، يتحتم على السلطات الإدارية و البلدية بالتنسيق المباشر مع مختلف الوزارات و المصالح ، أن تقوم بتحضيرها و هي :
تنظيم صفوف المستقبلين في المطار أو عند مدخل المدينة أو القرية، و توزيع البطاقات على القبائل و المشيخات و المنتخبين و الأعيان و المقربين من الشخصيات النافذة ، و تحديد أماكن وقوف كل مجموعة و كل فئة ، حسب معايير أبروتوكولية غاية في التعقيد و الصعوبة، و هي مهمة صعبة تكلف الإداريين الكثير من الجهود و تحتاج للكثير من الحكمة، فقد يكلف خطأ بسيط و غير متعمد خلالها الوالي أو الحاكم أو الموظف الكبير منصبه.
اختيار مدرسة " نموذجية " سيقوم فخامته بزيارتها، فتعمد السلطات لصباغة جدرانها وسبوراتها، و إصلاح و صباغة أبوابها و نوافذها، و تهيئة فصولها و تزويدها بالطاولات و الطباشير و المكاتب و المقاعد و الكتب و أدوات الإيضاح، و تتعاون على ذلك مختلف المدارس و المصالح تجميعا و إعارة ، و تتخذ التدابير اللازمة على أعلى المستويات ليكون طاقمها التدريسي مكتملا وقت الزيارة، كما يؤمر أهالي تلاميذ المدرسة المنتقاة ، بشراء ملابس جديدة لأبنائهم و تهيئتهم مظهريا حتى تكون صورهم التي سيبثها التلفزيون لائقة، و يعتنى بدفاتر التلاميذ و خاصة المهيئين منهم للجلوس على الطاولات الأمامية و الطرفية، و يلقنون ما يجب عليهم قوله للرئيس او حتى لصحفيي التلفزيون، إن سألهم عن ظروف الدراسة و الطاقم التدريسي و واقع المدرسة و احتياجاتها……إلخ.
اختيار مستشفى أو مستوصف أو مركز صحي يقوم الرئيس بزيارته، فيتم تنظيفه و تزويده بالمعدات و الآلات اللازمة و استجلابها من أماكن أخرى حتى تنتهي الزيارة الرئاسية، و تقوم الإدارة بتعبئة المرضى و مرافقيهم على ما يجب أن يقال ، طالبة منهم أن لا يبخلوا عليها بالشكر و الإطراء في نقاشاتهم مع فخامة الرئيس و في تصريحاتهم للتلفزيون.
تقوم الإدارة ببرمجة تدشين لمنشأة أو مشروع أو مقطع من طريق معبدة، بالتعاون مع الوزارات المعنية، و في حالة عدم وجود " إنجاز" جديد تتم إعادة تدشين مشروع قديم. و على الوالي و الحاكم و العمدة أن يعبئوا الناس للإشادة بالإنجاز التاريخي، و على التعبير عبر تصريحات تنقلها وسائل الإعلام المختلفة عن شكرهم و امتنانهم للسيد الرئيس و حكومته، و توضيح أن أي رئيس قبله لم يهتم بهم أو يقيم مشاريعا مهمة لصالحهم، و يكون ذلك مناسبة لدعوته فخامته للترشح لعدد لا محدود من المأموريات، و التقليل من قيمة الدستور و مواده المحصنة.
تقوم الإدارة باستكشاف المواقع التي شهدت معارك للمقاومة الوطنية في عاصمة الولاية أو المقاطعة أو المركز الإداري المزور ، بعد أن ظهرت رغبة رئيس الجمهورية في إبراز و تخليد بطولات المجاهدين الموريتانيين ، و لذلك فإن على السلطات بالتعاون مع الجهات العليا و مع الرابطــة الوطنيــة لتخليد بطولات المقاومة ضد الاستعمار ، أن تختار مسرح معركة خاضتها المقاومة ، ليتفضل فخامة الرئيس بالوقوف على ميدانها و آثارها و الترحم على شهدائها و المشاركين فيها، و الاستماع إلى إضاءة على المعركة و المشاركين فيها و نتائجها ، و قد يقوم الرئيس بإزاحة الستار عن لوحة تذكارية لتخليد المعركة المذكورة .
يقام في عاصمة الولاية لقاء للرئيس مع الأطر، يجمع الأطر و رؤساء المنظمات غير الحكومية و التعاونيات و شيوخ القبائل و الوجهاء و المنتخبين و الأئمة و شيوخ الصوفية و المتسولين و الناشطين السياسيين و حقوقيي الدولة و حملة الرسائل و البشمركه، في جلسة بوح و استماع و مطارحة للآراء و تسابق على التنويه بإنجازات فخامته و مدحه و تملقه و الإلحاح عليه بالترشح لمأمورية ثالثة و رابعة …..و قد تتخلل ذلك مطالب شخصية طريفة و مناشدات و عبارات مضحكة مبكية.