جدول المحتويات
ربما تكون محظوظا لأنك قد لا تولد تحت شجرة بلا ثمار مثل جدك خالد الأول رحمه الله،بل إنك قد ترى النور تحت أطلال مستشفى عام،مما قد يجعلك تحظى بتاريخ ميلاد دقيق باليوم والشهر،وبتطعيم فعال نوعا ما ضد السعال الديكي والكزاز والتهاب الكبد الفيروسي.
يا صغيري:
عليك أولا أن تكون مستعدا لتسديد كل تلك الديون التي سيطالبك بها البنك الدولي وبعض الدول المانحة،فذلك هو الميراث الوحيد الذي قد أتركه لك،هذا بالإضافة إلى اسمي الخالي من المواد الحافظة،إياك ثم أياك أن تحيطني بهالة من "القدسية"،وتجعل مني بطلا خارقا كان يمشي على الماء ويصافح الرياح فتنحني له إجلالا!
عندما تبحث في سجل الوفيات،ستجد أن جدك المسكين قد مات بسبب أزمة ربو حادة صباح الإثنين،لقد كان جدك مدرسا نوعا ما لمادة الرياضيات في مدينة جميلة معلقة في سقف السماء كنجمة تائهة،تلك المدينة تدعى تامشكط،عليك أن تزورها عندما تكبر،لقد تركت لك هناك كنزا ثمينا عبارة عن علبة طباشير مرصعة بالأمل بداخلها رسالة كتبتها بخط يدي،أوصيك فيها بثلاثة أشياء فقط،ذلك الكنز ستجده مدفونا وسط تلك الرمال المحيطة بالثانوية،لن أفصح لك عن أحداثيات الكنز بشكل دقيق،حتى لا تعلم بمكانه وزارة الاقتصاد والمالية فتتخذه غنيمة أو تفرض عليه الضرائب،أو تعلم به العجوز أم محمد..

بالمناسبة،لقد نسيت أن أحدثك عن والدك محمد وجدتك أم محمد،محمد لم ير النور بعد،ولا أظنه سيراه قريبا،على الأقل فيما تبقى من مأمورية خالك الأكبر أبو بدر الذي حكم موريتانيا وتسبب في ضمور مستقبلها،والذي كان جدك يعارضه بشكل تصاعدي.فجدك رحمه الله برحمته الواسعة،كان من الذين ولدوا على فطرة المعارضة،حيث عاش معارضا ومات معارضا،ومن شدة معارضته كان يعارض نفسه وأحلامه وذلك طيلة حياته الحافلة بالأمل والترحال.
بالنسبة لأم محمد،يقال إنه يخلق من الشبه أربعين،أظن أن أم محمد تلبسها مارد من الجن،ففي كل مرة أقول إنها هي-أم محمد-وفي النهاية تطلع أم إسحاق…
في حياتي لم أجالس منجمة قط،فلا يعلم الغيب إلا الله وحده،لكن حدسي يخبرني أنني سألتقي أم محمد في يوم دافئ،في مكان لا تقوم فيه البلدية بواجبها،حيث ستكون الشوارع مكسوة بالقمامة،لكنها ستبدو مكسوة بالزهور البيضاء والحمراء،عندما أرى أم محمد تمشي عليها وهي ترتدي أحذية بنية من البلاستيك صنعت في جمهورية الصين الشعبية.
يقول حدسي أيضا:إن أم محمد فتاة طويلة ونحيفة مثل نخيل الحجاز،قد تكون أطول من جدك قليلا ب 2 سنتمتر،شعر رأسها أسود وناعم ومنسدل مثل رؤوس فتيات الإينكا في كواتيمالا،أما لون بشرتها فقمحي يميل إلى السمرة الخفيفة،لديها وجه بيضوي الشكل كأوراق العشر(انتورجه)،على وجنتيها بعض البثور الصغيرة جدا والمتباعدة،أنفها يصنع زاوية 85 درجة مع ابتسامتها التي تلمع منها البراءة بشكل عفوي،ولدت أواخر القرن العشرين في أسرة محافظة لا تزال تعتقد أن الشمس تسقط في البحر،من أب متصوف يمتلك محلا صغيرا للملابس الجاهزة في أعماق السوق المركزي لتلك المدينة،وأم تقضي جل يومها في دكان الحي الذي تتشارك أرباحه الضئيلة مع ثماني نسوة أعمارهن فوق الأربعين..
يا حفيدي:
لا أعرف إن كنت ستكون مواطنا صالحا،ولا يهمني كثيرا أن تكون مواطنا بقدر ما يهمني أن تكون صالحا،المهم عندي أن لا تضع مطلقا أكليلا من الإطراء على حافة قبري،لكن إن وجدت شجرة قد نمت فوقه فلا تقطعها مطلقا…
إن كنت مهتما بالتاريخ،فشيفرة الحمض النووي الذي يسري في جسدك،تحتوي على جميع أسرار أسلافك الذين ساروا في مناكب الأرض،فعلم البيولوجيا يتطور بشكل مذهل جدا يا صغيري،لست مضطرا لقراءة سيرتي الذاتية والجلوس تحت ظلالها-إن كانت لها ظلال-فظلال العلم وحدها هي التي ستحميك من أشعة الحياة وسمومها الكثيرة،اقرأ ثم اقرأ.وحدها المعرفة لن تخذلك مطلقا،بل إنها ستجعلك تهتدي إلى الله دون المرور بتلك المنعرجات الفرعية التي قد تجعل قلبك مكسوا بشوائب الأحقاد والأنانية..
يا حفيدي:
لا تسكن في أرض لا عدل فيها ولا حقول،وإن كان لابد من ذلك،فحاول أن لا تعيش فيها مستضعفا ولو كلفك ذلك أن تخسر حياتك دفاعا عن كرامتك،لا تغتر مطلقا بقوتك وصحتك،إذا قدر لك أن تقرأ هذه الكلمات ربما أكون أنا وقتها عظاما نخرة تحت أديم الأرض،وقد كتبتها وقتها وأنا في كامل قوتي وصحتي،فلا شيء يدوم إلا وجه الله،أياك يا صغيري أن تندم على الصبر والصدق والأمانة،فالأشياء الجيدة تنضج ثمارها دائما ببطء،لكن قطف ثمارها مضمون بإذن الله(هنا وهناك).
الحياة رغم قصرها جميلة،لا تضيعها في ترميم الماضي ولا تنهكها في التخطيط لسعادتك في المستقبل،عش اللحظة التي أنت فيها،ولا تكذب على نفسك مطلقا لأنك وحدك من سيدفع ثمن ذلك الكذب،لا تنفق كل مدخراتك حتى لو قيل لك إنك ستعثر غدا على جبل من الذهب.لا تمت قبل أن تموت،فآخر ذرة من الأكسجين ستدخل رئتك لا فرق بينها وبين أول ذرة وصلت لرئتك وأنت في بطن أمك،كافح وأزرع الخير ما دمت تتنفس.
لقد كتبت لك هذا،لأن جدي رحمه الله توفي قبل ولادتي ب 45 عاما تقريبا في السينغال عندما كان في رحلة تجارية،لذلك قد نلتقي مطلقا يا حفيدي،لأنك قد تكون خيالا محضا،ولأن والدك محمد قد لا يرى النور،المسكين محمد ربما لا يدري أن والده المفترض موظف في وزراة التعليم وأستاذ رياضيات ويحسبها بدقة،ولكي يتزوج لابد أن يبرهن أولا جدوائية القرار بالتراجع..
هنا تامشكط،والشتاء قد وصلنا البارحة،يا حفيدي جدك أصبح يشعر بالبرد،قل لجدتك أم محمد أن تأتي بسرعة قبل إصابة جدك بالزهايمر،قل لها أيضا أن تجلب معها شحنة من البخور وعلبة فازلين وبطانية وسريرا ومعزاة حلوبا،فأسعار الحليب باهظة وأنا أريد الكالسيوم من أجل نمو عظامك يا صغيري..
هذا المنشور قد يكون خارج التغطية مثل صاحبه،ومتأكد أن بعض كبار السن سيقرأونه وكذلك بعض التلاميذ أيضا،وهو شيء قد يكون محرجا نوعا ما،لكنني لست صندوقا لأحد حتى لنفسي،فهذا السؤال لا أطرحه على نفسي مطلقا،لماذا أكتب؟
الصورة المرفقة لثانوية تامشكط،والكنز مدفون هناك بين تلك الرمال الرخوة…..الساعة 09:35 صباحا
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.