تخطى الى المحتوى

العرب والسلطة والدين و الديمقراطية

جدول المحتويات

 

تري رؤساء في دول غير عربية يرضون بأن يحكموا فترة زمنية محددة ويسلموا السلطة لغيرهم ويواصلوا حياتهم بعد ذالك بخير وأمان.

 

وأما الرئيس العربي فلا يغادر السلطة إلا إلي السجن أو القبر. تأملت وضع الرؤساء في الدول العربية وأنا أتابع سير حملة الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية وأشاهد الرئيس الأمريكي الحالي يدعو لانتخاب خلف له ,بل ويساهم بجد في الترويج لأحد المرشحين و يذكر خصاله ويمدحه ,وكأنه فرح بأنه سيسلم السلطة لغيره.

 

ثم  فور انتهاء التصويت يبارك للفائز الذي لم يكن مفضلا عنده ويدعوه إلي البيت الأبيض ليسهل له إجراءات استلامه لعمله. فقلت يا ليته كان له صديق من رؤسائنا وسقاه شربة من عصير حلاوة الديمقراطية  هذه والتبادل السلمي علي السلطة , مع أني أخشي أن يتقيأها بسرعة وتمجها معدته !.

 

أنظر إلي أوضاع أنظمتنا فأجد عندنا في الجزائر مثلا دولة رئيسها مقعد علي كرسي بسبب المرض وقد قضي كل مدته الدستورية في السلطة لكنه غير الدستور حتى يبقي جالسا علي كرسيه. وأري  في اليمن رئيسا تم عزله بثورة شعبية  كادت تقتله بعد أن بقي في الحكم عشرات السنين ووقع صلحا وعهدا بالابتعاد عن الحكم , وانتخب بعده رئيس آخر , لكنه عاد من الخلف وكون مليشيات وأشعل حربا أهلية عله يعود إلي القصر علي دماء وأشلاء شعبه.  

 

ثم آخر في سوريا دمر بلده بالكامل وأتي بجيوش دول أخري لتدمر ما عجز عنه جيشه. كل ذلك ليبقي هو داخل قصره. وهناك رابع في موريتانيا يتلكأ عاجزا عن أن يقول بملئ فيه أن مأموريته  قد انتهت دستوريا وأنه سيسلم السلطة لغيره. كأن أمامه عفريت يحذره من النطق الصريح بذالك. والوحيدين الذين ذهبا نهائيا من مصر وليبيا كلنا نعلم الطريقة المدمرة لرحيلهما وما خلفاه من فتن وخراب.

 

أما الذين لا زالوا ينتظرون فلم تبدو من أي منهم بادرة تدل علي أنه أقل تمسكا بالسلطة من سلفه. جميعهم ينعتون كل داع لإصلاح سياسي أو تناوب علي الحكم سلميا بالمفسد والمتآمر. ليس منهم من يريد الفراق مع كرسيه حتى يسلمه للملك الذي سيقبض روحه. وكأن بينه عهد بذالك مع خالقه. أمر آخر مستغرب في حالة العرب وهو أن هذا التمسك الأبدي بالسلطة تنتهجه  منهم  بالأساس الأنظمة ذات الطابع العلماني التي تروج لنفسها بصورة الانفتاح والليبرالية مقابل من يلقب بالإسلاميين المنعوتين بالتعصب والدكتاتورية الدينية وإلغاء الآخر, بينما نري أن الحالة الفريدة التي سلمت فيها حكومة عربية السلطة سلميا لغيرها بواسطة الانتخابات كانت من طرف الإسلاميين فقط في تونس.الدولة العربية الوحيدة التي جري فيها تبادل سلمي بين سلطتين منتخبتين .

 

عسي الله أن يحمي الطبقة السياسية فيها من فيروس الحب القاتل للسلطة, وأن يجعل العدوى تنتقل منها لأخواتها العرب الأخريات. وما ذالك علي الله بعزيز. إن دين العرب يحثهم علي الشورى في الأمر ( وشاورهم في الأمر ) (وأمرهم شوري بينهم ) ويحذرهم من التسلط والقهر ( وما أنت عليهم بجبار ) والعرب يفاخرون غيرهم بالإيمان بهذا الدين وبتصديقهم بكتابه. لكنهم مع الأسف في هذه الفترة من تاريخهم لا يعملون بما يأمرهم به في مجال أنظمة حكمهم ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلي أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) وبالتالي لا يجنون ثمار تعاليمه ولا ينتفعون به. فحالهم كما ذكر الشاعر عن حال الرواة بلا فهم, و عن حال الجمال التي يحمل عليها الودع دون أن تستفيد منه في قوله:

 

إنَّ الرواة بلا فهم لما حفظوا … مثل الجمال عليها يحمل الودع
لا الودع ينفعه حمل الجمال له … ولا الجمال بحمل الودع تنتفع

 

أصلح الله حال العرب.

 

الأحدث