جدول المحتويات
لم يفاجئني الوزير المنضم إلى قافلة المستأتنين التي بلغت النصاب، فالمتتبع للساحة السياسية خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن التلون سمة المشهد السياسي، ولعبة الكر والفر لا تتوقف، فطالما أصمنا عويل سارق للمال العام لمجرد أنه لم يتحصل على مبتغاه من الغنيمة المسروقة، فأصبح يعوي ويتحدث عن مكر وخبث أولئك اللصوص ممن كان يمتدحهم إلى وقت قريب، بل كان أحد أبواقهم التي لا تتعطل!
كما أنه قلما يبرز مناضل ومطالب بحقوق المحرومين إلا تحول في وقت وجيز إلى الضفة الأخرى من المشهد ليلتحق بركب المطبلين، حاجزا مكانه في مقدمتهم، دون أدنى إحساس بالإحراج من التناقض الفاضح، وكأنه لم يرفع صوته في المنابر مناديا بحقوق المستضعفين إلا من أجل عرض نفسه في سوق "اللحلحة" والنفاق، ليبيع ضميره بملء كفيه من مال الشعب المسروق، وليته وضعهما على فيه وأراحنا من نفسه، لكنه سرعان ما يبرع في التطبيل وتضليل العامة والتفنن في تمجيد الحاكم الذي كان إلى وقت قريب يصفه بالفساد، مع أن الواقع لا زال على حاله، والتغير الوحيد في المشهد هو كونه انضم لقائمة الأقلية المستفيدة من خيرات هذا البلد المتقاسمة بين اللصوص.
مثل هؤلاء المستأتنين من الحمير بدل أن يتعرضوا إلى عملية "إقصاء" من المشهد تلاحظ أن الإطراء والمجاملات تتلقفهم من طرف من يسمون أنفسهم بالنخبة، مما يعبر عن درجة النفاق التي استفحلت في المجتمع.
إن أمثال هؤلاء ممن يجعلون من ثقافتهم "أتانا" يمتطونه نحو الاسترزاق والطمع هم المسؤولون عما نعيشه من بلاء، فقد أدمنوا التطبيل لكل عقيد منقلب حتى يصبح معزولا، ليتحولوا إلى التطبيل للمنقلب الجديد دون أدنى وخزة ضمير أو خوف من عقاب!
لعل من مخرجات الحوار الإيجابية لدى الوزير "المستأتن" تغيير العلم والنشيد في بلد يعيش أغلب سكانه تحت خط الفقر، في مشهد يترجم معاني الإيجابية في قاموس هؤلاء!
أجل إنه من الإيجابية أن يتم ضخ سيولة جديدة تستفيد منها المجموعات القبلية وبارونات الفساد، من أجل تنظيم استفتاء على تعديلات لا تهم المواطن ولا تعود عليه بالنفع الملموس، ثم يحدثك "جحشا" من أبناء أولئك اللصوص عن مفاهيم الديمقراطية ورمزية الاستفتاء!
لقد غاب عن هذا المعتوه أن واقعنا مع الاستفتاءات والانتخابات يختلف عن ما ينظر له بعض المخدوعين في محاسن الديمقراطية، فنحن شعب مسلوب الحرية توجهه مجموعة من شيوخ القبائل بدوافع بطونها، والديمقراطية التي استحدثها الغرب كنظام للحكم بعدما وصل لمرحلة الإنتاج الكبير وضمن كل فرد فيه حق العيش الكريم، لا تؤدي إلى التغيير الجذري في المجتمع ولا على مستوى السياسة العامة للدول، بقدر ما هي أداة لتغيير واجهة الحكم، ففي أعتى الديمقراطيات العالمية لا يمكن للمواطن العادي مهما كان حكيما أن يتصور نفسه في السلطة إن لم يكن ذا حظ من المال والإعلام.
هذا على افتراض أن الاستفتاء سيكون شفافا وهو ما لا يمكن تخيله في جمهورية الواق واق التي يقودها المنقلب أبو صابر شقيق أبو زياد، في سير حثيث نحو المجهول.
إن تاريخ البلاد مع الانتخابات والاستفتاءات معلومة النتائج سلفا يستدعي منا التفكير في طريقة أخرى كفيلة بصنع التغيير المنشود، وعلى رأي المفكر الأيرلندي برنارد شو فإن "الديمقراطية لا تصلح لمجتمع جاهل لأن أغلبية من الحمير ستحدد مصيرك"!
إن التغيير الجذري في هذه البلاد لن يأتي بالحوار مع المنقلب أبو صابر المنتمي لفصيلة الحمير الناهقة، والذي وصل للسلطة جراء خلل معبر في مجرى الزمن، كما أنه لن يأتي برحلة الشتاء والصيف التي ينظمهما منتدى المعارضة الذي جعل من نفسه مكبا لنفايات الأنظمة المتعاقبة، فمن المؤكد أن المسيرات المرخصة والتي لا تشكل خطرا عن النظام لن تؤدي للتغيير المنشود، الذي لن يأتي إلا بثورة شعبية تقضي على أركان الفساد وترمي جميع الناهقين في مكانهم الصحيح بزريبة الحمير، ولعلها تكون قريبا.